عبدالعزير بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان …يكتب

منذ اندلاع الحرب في السودان لم يعد الحديث عن عدد القتلى والجرحى وحده كافيا لوصف حجم الكارثة فالحروب لا تقتل بالرصاص فقط ولا تحصي ضحاياها بعدد الجثامين ولا تقاس آثارها بعدد المنازل المدمرة وحدها فهناك ضحايا لا تظهر صورهم في نشرات الأخبار ولا تذكر أسماؤهم في قوائم الضحايا ومع ذلك يدفعون الثمن كل يوم وهم ملايين السودانيين الذين يواجهون انهيار الاقتصاد وارتفاع الأسعار وتدهور قيمة العملة الوطنية وانعدام الخدمات الأساسية

 

لقد انشغل العالم بمشاهد المعارك والدخان المتصاعد من المدن والقرى بينما كانت معركة أخرى أكثر خطورة تدور في صمت داخل الأسواق والمزارع والمصانع والبنوك وهي معركة بقاء الاقتصاد السوداني نفسه فالحرب لم تقتل الإنسان وحده بل قتلت الزراعة التي كانت تمثل مصدر رزق لملايين الأسر وقتلت الإنتاج الذي يشكل أساس الاستقرار الاقتصادي وقتلت البيئة التي تعرضت للتدمير والاستنزاف وأضعفت مؤسسات الدولة وأفقدت العملة الوطنية جزءا كبيرا من قيمتها وقدرتها على حماية المواطن من الفقر والعوز

 

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس كم بلغ سعر الدولار مقابل الجنيه السوداني بل كيف وصل السودان إلى مرحلة أصبح فيها المواطن عاجزا عن شراء احتياجاته الأساسية رغم أنه يعيش في بلد يملك من الموارد الطبيعية ما يكفي لبناء اقتصاد قوي ومستقر وكيف تحولت دولة تمتلك الأراضي الزراعية الشاسعة والثروات المعدنية والحيوانية الهائلة إلى دولة يطارد فيها المواطن لقمة العيش ويعيش تحت ضغط يومي بسبب الغلاء وانهيار القوة الشرائية

 

إن الجنيه السوداني لم ينهار بسبب عوامل اقتصادية مجردة أو بسبب حركة الأسواق العالمية وحدها وإنما بسبب واقع فرضته الحرب على البلاد فكل يوم تستمر فيه الحرب يتراجع الإنتاج وتتوقف عجلة التنمية وتتعطل حركة التجارة والاستثمار وتتسع دائرة الفقر وتضعف قدرة الدولة على إدارة مواردها ومؤسساتها وكل يوم تستمر فيه الحرب تفقد العملة الوطنية جزءا جديدا من قيمتها لأن الاقتصاد لا يستطيع النمو تحت أصوات المدافع ولا يمكن للأسواق أن تستقر وسط حالة من عدم اليقين وانعدام الأمن

 

لقد أدت الحرب إلى تعطيل قطاعات حيوية كانت تمثل شرايين الحياة للاقتصاد السوداني فالعديد من المشاريع الزراعية توقفت أو تضررت وتراجعت القدرة الإنتاجية للمزارعين بسبب انعدام الأمن وارتفاع تكاليف التشغيل وصعوبة الوصول إلى الأسواق كما تعرضت البنية التحتية لأضرار جسيمة أثرت على حركة النقل والتجارة والإمداد ونتيجة لذلك تراجعت الصادرات وانخفض تدفق العملات الأجنبية بينما استمرت الحاجة إلى الاستيراد لتغطية الاحتياجات الأساسية مما خلق ضغطا هائلا على العملة الوطنية

 

ولم يكن تراجع الإنتاج وحده سببا في الأزمة بل إن نهب الموارد واستغلالها خارج الأطر الرسمية ساهم بصورة مباشرة في إضعاف الاقتصاد الوطني فالثروات التي كان يفترض أن تعود عائداتها إلى الخزينة العامة لدعم الخدمات وتحقيق الاستقرار الاقتصادي أصبحت في كثير من الحالات بعيدة عن الرقابة المؤسسية وعن القنوات القانونية الأمر الذي حرم الدولة من موارد هي في أمس الحاجة إليها خلال هذه الظروف الاستثنائية

 

ومن أخطر ما أصاب الجنيه السوداني خلال هذه الحرب فقدان الثقة فالعملة الوطنية لا تستمد قيمتها من الورق الذي تطبع عليه وإنما من ثقة المواطنين والمؤسسات في قدرتها على حفظ القيمة وتسهيل المعاملات الاقتصادية وعندما يشعر المواطن أن مستقبله مجهول وأن الحرب مستمرة وأن الاقتصاد يتراجع فإنه يبحث بصورة طبيعية عن وسائل أخرى لحماية مدخراته فيتجه نحو العملات الأجنبية أو الذهب أو أي أصول يعتقد أنها أكثر استقرارا وهنا تدخل العملة الوطنية في دائرة مفرغة من التراجع المستمر

 

إن آثار انهيار العملة لا تقف عند حدود الأرقام والتقارير الاقتصادية بل تمتد إلى حياة الناس اليومية بصورة مباشرة فالأسرة التي كانت تستطيع شراء احتياجاتها الأساسية أصبحت تواجه صعوبة متزايدة في توفير الغذاء والدواء والتعليم والسكن والموظف الذي كان راتبه يكفيه شهرا كاملا أصبح عاجزا عن تلبية أبسط متطلبات الحياة والتاجر الذي كان يدير نشاطه بصورة طبيعية أصبح يواجه تحديات متزايدة بسبب تقلب الأسعار وارتفاع تكاليف التشغيل وانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين

 

ومن الناحية القانونية والأخلاقية فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم هو من يتحمل مسؤولية هذا الانهيار ومن يتحمل مسؤولية تجويع المواطنين وإفقارهم وتدمير مصادر رزقهم وإضعاف مؤسسات دولتهم فحق الإنسان في الحياة لا يقتصر على حمايته من الرصاص فقط بل يشمل حقه في الغذاء والصحة والتعليم والعمل والعيش الكريم وعندما تؤدي الحرب إلى حرمان ملايين الناس من هذه الحقوق فإن آثارها تتجاوز ساحة المعركة لتصبح أزمة إنسانية واقتصادية واجتماعية شاملة

 

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول لا تنهض بالحروب وإنما تنهض بالسلام والاستقرار وسيادة القانون وأن العملات الوطنية لا تستعيد قوتها بالخطابات والشعارات وإنما بعودة الإنتاج وحماية الموارد وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع وإن أي حديث عن إنقاذ الجنيه السوداني بمعزل عن معالجة جذور الأزمة يظل حديثا ناقصا لأن المشكلة الحقيقية ليست في العملة نفسها بل في الظروف التي أوصلتها إلى هذا الوضع

 

إن استمرار الحرب لا يعني فقط استمرار نزيف الدم بل يعني أيضا استمرار نزيف الاقتصاد واستمرار تآكل قيمة العملة واستمرار معاناة المواطنين واستمرار ضياع فرص التنمية وإعادة البناء وكل يوم إضافي في عمر هذه الحرب يمثل تكلفة جديدة يدفعها الشعب السوداني من أمنه وغذائه وصحته وتعليمه ومستقبله

 

ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة صادقة من جميع الأطراف كم مزرعة يجب أن تتوقف عن الإنتاج وكم مصنعا يجب أن يغلق أبوابه وكم مشروعا تنمويا يجب أن ينهار وكم أسرة يجب أن تنحدر إلى دائرة الفقر وكم مرة يجب أن يفقد الجنيه السوداني من قيمته حتى يدرك الجميع أن الحرب لم تعد تقتل البشر وحدهم بل أصبحت تقتل الاقتصاد والزراعة والبيئة والإنتاج ومستقبل وطن بأكمله وأن السلام لم يعد خيارا سياسيا فحسب بل أصبح ضرورة وطنية وإنسانية واقتصادية لا تحتمل المزيد من التأجيل

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

10/يونيو /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *