​بقلم: نفيسة حجر

​في الوقت الذي تتسابق فيه الدوائر السياسية الإقليمية الدولية نحو طاولات الحوارات والجولات الدبلوماسية المتنقلة بين أديس أبابا، وبرلين، محملةً بخلافات عميقة حول هندسة التسوية، وخاصة الجدل المحتدم بشأن إشراك الإسلاميين عبر كوادر الصف الثالث للحركة الإسلامية أو واجهاتهم الرمادية الجديدة كانت كواليس الكونغرس الأمريكي تطبخ أخطر تحول في مسار الأزمة. تحولٌ ينقل واشنطن من مربع بيانات الشجب والمفاوضات العقيمة إلى التفكيك القانوني الدقيق المصمم خصيصاً لاستئصال مافيا التمكين والدولة العميقة. مشروع القانون الأمريكي الجديد لا يستهدف فقط البنادق في الخنادق، بل يضرب الريموت الكنترول المالي والسياسي للنظام القديم، الذي يتخذ من سلطة بورتسودان العسكرية واجهة له، وبهذا التوجه، تسعى واشنطن لفرض حكومة مدنية خالصة كخيار وحيد للاعتراف الدولي، قاطعتاً الطريق على أي محاولات إقليمية لإعادة إنتاج النظام البائد عبر أقنعة بديلة.

​وتنطلق هذه الإستراتيجية الأمريكية من قناعة راسخة بأن بنادق الحرب في الميدان لا تتحرك بلا وقود مالي، وأن عصب سلطة الأمر الواقع في بورتسودان يُدار بـ “ريموت كنترول” اقتصادي ممتد تسيطر عليه واجهات الحركة الإسلامية وشركات الظل التابعة لها منذ ثلاثة عقود. وهنا تتكشف شفرة التحرك الأمريكي؛ فالهدف لم يعد الجندي القابع في الخندق، بل “الشبكة المالية الرمادية” التي تغذي الحرب حيث ينص القانون على إلزام الإدارة الأمريكية بتفعيل معايير “التصنيف الإرهابي العالمي” (SDGT) ضد الأطراف المتنازعة، وهو ما يمثل حكماً بـ “الإعدام المالي الشامل مما يتيح لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) تجميد الأموال، وملاحقة قادة تلك الواجهات الحركية، وتجفيف منابع تمويلهم دولياً، بغض النظر عن موقعهم التنظيمي في الصف الأول أو الثالث.

​هذا الحصار المالي الخانق يفسر بوضوح الذكاء والواقعية في التعديلات التي جرت على مسودة القانون داخل أروقة الكونغرس فحينما ركّز المراقبون على حذف بند “الطعن المباشر في شرعية تمثيل السودان بالأمم المتحدة، اعتبره البعض تراجعاً، غير أن قراءة ما وراء السطور تثبت العكس تماماً. لقد أدركت واشنطن أن نزع الشرعية الدبلوماسية عبر قانون محلي يصطدم باتفاقية المقر لعام 1947 ويعقد قنوات التفاوض الإنساني الراهنة، ففضلت استبدال العزل الدبلوماسي المؤقت بـ “الفيتو السياسي القاطع والمؤجل”. هذا الفيتو يغلق الباب نهائياً أمام أي اعتراف دولي بمخرجات الحرب، ويقضي على أحلام الحركة الإسلامية في إعادة إنتاج نظامها القديم تحت غطاء المؤسسة العسكرية، مجهضاً أي تفاهمات سرية قد تبرمها خلف كواليس العواصم الخارجية.

​ولم تكتفِ الهندسة القانونية للأمريكيين بضرب الداخل, بل امتدت عبر آلية “العقوبات الثانوية” عابرة الحدود لتستهدف “الطرف الثالث” في المعادلة وهي الشبكات الإقليمية، وشركات تجارة الذهب الدولية، والمنظومات الأمنية الخاصة التي تسهل صفقات السلاح لصالح واجهات النظام القديم أو حلفائه. وتضع واشنطن هذه الأطراف الدولية اليوم أمام خيار حتمي وهو النأي بنفسها تماماً عن تأجيج الأزمة السودانية ، أو الحرمان الفوري من دخول النظام المالي العالمي .

​آخر قولي

​إن هذا التحول التشريعي يثبت أن المعركة الأمريكية المعاصرة لم تعد تدار بالبارود، بل عبر شاشات النظام المالي في نيويورك، لتعلن بوضوح أن عهد الشراكات الهشة والترضيات السياسية مع العسكر أو مافيا التمكين قد انتهى بلا رجعة. والخيار المتبقي أمام أطراف النزاع اليوم هو خيار صفري فهو إما الانصياع التام لترتيبات انتقال مدني ديمقراطي خالص، أو مواجهة مقصلة اقتصادية تفكك شبكاتهم وتحوّل إمبراطورياتهم المالية من مصادر نفوذ وقوة إلى مصائد للملاحقة والمصادرة الدولية.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *