آدم الحاج عبدالله عبدالرحمن أديب…يكتب

​عرفت الأشجار عبر التاريخ بثمارها النافعة وظلالها الوارفة التي يأوي إليها الناس عندما يشتد عليهم هجير الصيف، فهي رمز للحياة والعطاء والاستقرار. غير أن التاريخ الإنساني عرف أيضًا أشجارًا أخرى لا تحمل إلا المرارة والخراب، تنمو في تربة الاستبداد وتثمر الفتنة والانقسام، حتى تتحول إلى لعنة تلاحق الأوطان والشعوب.

​وفي التجربة السودانية المعاصرة، يرى كثير من المراقبين أن المشروع الذي قاده المؤتمر الوطني طوال سنوات حكمه قد تحول إلى نموذج لهذه الشجرة الرمزية التي لم يجنِ السودان من ثمارها سوى التمزق والانقسام والحروب والأزمات المتلاحقة. فإذا كانت الشجرة التي ارتبطت بخروج سيدنا آدم من الجنة سببًا في انتقاله من النعيم إلى عناء الحياة الدنيا، فإن سياسات هذا المشروع السياسي، في نظر منتقديه، كانت سببًا في انتقال السودان من فرص الاستقرار والتنمية إلى دوامة الصراعات والانهيار والتفكك.

​🏛️ منهج التمكين وتجريف الكفاءات الوطنية

​لقد قامت تلك التجربة على منهج سياسي اعتمد على التمكين الحزبي بديلًا للكفاءة الوطنية، فأُقصيت الخبرات المستقلة من مؤسسات الدولة، وحلت الولاءات السياسية محل معايير الجدارة والاستحقاق.

​ومع مرور الوقت تمددت شبكات النفوذ داخل أجهزة الدولة حتى أصبحت الخدمة المدنية، التي كانت يومًا من مفاخر السودان، ضحية لسياسات الإحلال والإبدال، بينما استشرى الفساد في مؤسسات الحكم والاقتصاد والإدارة العامة.

​”إن الفساد ليس مجرد انحراف أخلاقي أو إداري، بل هو مقدمة حتمية لانهيار الدول والمجتمعات. ولذلك جاءت الرسالات السماوية والتجارب الإنسانية محذرة من عواقب الطغيان والفساد في الأرض.”

​قال تعالى:

«أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ۝ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ۝ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ۝ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ۝ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ۝ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ۝ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ۝ فَصَبَّ والعذاب سَوْطَ عَذَابٍ ۝ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ».

​🌳 الرمزية البيئية: من حزام أخضر إلى “حزام ناسف”

​ومن المفارقات الجديرة بالتأمل أن عهد المؤتمر الوطني لم يترك بصماته على الحياة السياسية وحدها، بل امتدت آثاره إلى بعض التجارب التنموية والبيئية التي حملت دلالات رمزية عميقة:

​الشعارات المرفوعة: تم استجلاب أشجار دخيلة من خارج السودان وزراعتها على نطاق واسع تحت شعارات التشجير ومكافحة التصحر وصناعة الأحزمة الخضراء.

​الواقع الصادم: كشفت هذه الأشجار مع مرور الزمن عن آثار سلبية عديدة؛ حيث امتدت جذورها لشبكات المياه وخراطيم الري، وامتصت المياه بكثافة، وألحقت أضراراً بالمزارع والمنشآت.

​وهكذا تحولت في نظر المواطنين من حزام أخضر منتظر إلى حزام ناسف يهدد مصادر الحياة والإنتاج.

​🔍 الجذور في العمق لا الأغصان فوق السطح

​ولعل هذه التجربة تقدم صورة رمزية بليغة للتجربة السياسية نفسها. فكما جاءت تلك الأشجار من خارج البيئة الطبيعية المحلية وقدمت باعتبارها مشروعًا للنفع العام، جاءت أفكار وممارسات المشروع السياسي الحاكم آنذاك محاطة بالشعارات الكبيرة والوعود العريضة.

​لكن النتائج التي عاشها السودانيون لعقود دفعت كثيرين إلى التساؤل حول حقيقة الثمار التي أنتجتها تلك التجربة، بعدما تمددت جذورها داخل الدولة والمجتمع واستنزفت مواردهما وأضعفت مؤسساتهما. فالعبرة ليست بما يبدو فوق سطح الأرض من أغصان خضراء، وإنما بما تفعله الجذور في العمق.

​💥 حرب 15 أبريل: الانفجار الحتمي للأزمة

​ولم تكن نتائج هذه السياسات بعيدة عن المشهد الكارثي الذي انتهى إليه السودان. فقد تراكمت الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية حتى انفجرت البلاد في حرب الخامس عشر من أبريل 2023م، وهي الحرب التي تعد واحدة من أكبر المآسي في تاريخ السودان الحديث، حيث دمرت المدن والبنى التحتية، وشردت الملايين، ومزقت النسيج الاجتماعي.

​قال تعالى:

«وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ».

​وقال سبحانه:

«وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا».

​🗺️ أفق المستقبل: كيف نبني سوداناً جديداً؟

​إن الدرس الأكبر الذي ينبغي أن يستخلصه السودانيون من هذه التجربة المريرة هو أن المستقبل:

​لا يمكن أن يبنى بإعادة إنتاج النخب ذاتها التي قادت البلاد إلى أزماتها.

​لا يمكن التأسيس له بإعادة تدوير الأفكار التي ثبت فشلها تحت مسميات جديدة أو واجهات مختلفة.

​فالأسماء قد تتغير، والشعارات قد تتبدل، لكن جوهر الممارسة يبقى كما هو إذا لم تصحبه مراجعة حقيقية ومحاسبة جادة.

​إن مسؤولية الشعب السوداني اليوم لا تقتصر على إنهاء الحرب واستعادة السلام، بل تمتد إلى بناء دولة جديدة تقوم على:

​🇸🇩 المواطنة المتساوية وسيادة القانون.

​⚖️ العدالة الاجتماعية والشفافية.

​🎓 الكفاءة والجدارة بعيداً عن التمكين والاحتكار والاستعلاء السياسي.

​❓ سؤال المصير

​ويبقى السؤال الذي سيحدد مصير السودان في السنوات القادمة:

هل يتعلم السودانيون من دروس الماضي، أم يسمحون للشجرة ذاتها أن تنبت من جديد في أرض أنهكتها الحروب والخيبات؟

​#السودان #مقال_اليوم #السياسة_السودانية #مستقبل_السودان #حرب_السودان

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *