تجار الحرب

يونيو 11, 2026

 

 

 

 

عبدالعزير بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان …يكتب

 

في السودان اليوم لم تعد المأساة مجرد معركة بين أطراف متحاربة بل أصبحت مأساة وطن كامل يدفع ثمنها شعب أعزل وأجيال لم تعرف من الحياة سوى الخوف والنزوح والحرمان وبينما تتساقط الأرواح كل يوم وتدمر المدن والقرى وتهدم المدارس والمستشفيات ومصادر الرزق ما زال هناك من يتحدث باسم الوطنية وهو بعيد عن معاناة المواطنين ومن يرفع الشعارات الكبيرة بينما يزداد الوطن تمزقا وانقساما

 

لقد أصبحت الحرب سوقا مفتوحة للخداع السياسي والنفاق الأخلاقي والمتاجرة بمشاعر الناس يتحدث البعض عن الكرامة بينما يفقد المواطن أبسط مقومات الحياة ويتحدثون عن الانتصار بينما تمتلئ المقابر بالشباب الذين كان يفترض أن يكونوا في الجامعات ومواقع العمل والبناء والإنتاج ويتحدثون عن المستقبل بينما يحترق حاضر البلاد أمام أعين الجميع

 

المؤلم في هذه الحرب أن أكثر من يدفع ثمنها هم الذين لم يختاروها أصلا أطفال حرموا من التعليم وأسر فقدت منازلها ومصادر دخلها وأمهات ينتظرن أبناء لن يعودوا وشباب وجدوا أنفسهم وقودا لصراع لم يصنعوه ولم يجنوا منه سوى الفقدان والتشرد والموت

 

لقد تحولت بعض الخطابات إلى أدوات لتغذية الكراهية والانقسام تستخدم القبيلة حينا والجهة حينا آخر والدين في أحيان كثيرة لتبرير استمرار النزاع وإسكات الأصوات المطالبة بالسلام وكأن حياة الناس أصبحت أقل قيمة من المصالح السياسية والمكاسب الشخصية وكأن الوطن مجرد غنيمة يتنافس عليها المتصارعون لا بيتا مشتركا لملايين السودانيين

 

الحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها هي أن الحرب لا تصنع وطنا ولا تبني دولة ولا تحقق كرامة الإنسان الحرب لا تنتج سوى المزيد من الأرامل والأيتام والنازحين واللاجئين وكل يوم إضافي من القتال يعني مزيدا من الدمار الاقتصادي والاجتماعي والنفسي الذي ستدفع الأجيال القادمة ثمنه لعقود طويلة

 

لقد خسر السودان الكثير خسر أبناءه وبناته وخسر استقراره واقتصاده وخسر سنوات من التنمية والعمل والبناء والأخطر من ذلك أنه يخسر أحلام جيل كامل كان ينتظر فرصة للحياة الكريمة جيل كان يريد أن يتعلم ويعمل ويشارك في بناء وطنه فإذا به يجد نفسه محاصرا بين أصوات البنادق وأخبار الموت والنزوح

 

الوطنية الحقيقية لا تقاس بارتفاع الشعارات ولا بحدة الخطابات ولا بكثرة الاتهامات الوطنية الحقيقية تقاس بقدرتنا على حماية الإنسان وصون كرامته والحفاظ على وحدة المجتمع وحق الأطفال في التعليم وحق الأسر في الأمن والاستقرار الوطنية ليست كلمات تقال في المنابر بل مسؤولية أخلاقية تجاه حياة البشر ومستقبل الوطن

 

لقد آن الأوان للاعتراف بأن استمرار الحرب ليس انتصارا لأحد فحين يموت الشباب ويضيع الأطفال وتتدمر المدن ويهاجر أصحاب الكفاءات ويعيش الملايين بين النزوح واللجوء فإن الخاسر الحقيقي هو السودان نفسه ولا يمكن لأي مكسب سياسي أو مادي أو شخصي أن يبرر هذا الثمن الباهظ

 

سيأتي يوم تطوى فيه صفحات هذه الحرب لكن التاريخ سيتذكر من دعا إلى السلام ومن حرض على استمرار القتال سيتذكر من وقف مع الإنسان ومن راهن على الدماء وسيتذكر أن الشعوب لا تبني مستقبلها بالبنادق بل بالعدالة والعلم والعمل والتعايش واحترام كرامة الإنسان

 

ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة صادقة من الجميع كم شابا يجب أن يموت وكم طفلا يجب أن يحرم من مستقبله وكم مدينة يجب أن تدمر حتى يدرك تجار الحرب أن الوطن ليس ملكا لهم وأن السودان أكبر من مصالحهم

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

11/يونيو /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *