الجميل الفاضل الفاضل…يكتب

 

علينا الآن أن ننسى لننفض عن أيدينا سلاسل الطرق الكثيرة، وعلينا أن ننسى هزائمنا الأخيرة كي نرى أفق البداية، وعلينا أن ننسى البداية كي نسير إلى البداية واثقين منا ومنها.

فحين وضع الراحل المقيم د. منصور خالد نخبة السودان على أريكة الاعتراف الكبرى في مقاله الشهير «النواقص الذاتية»، لم يكن يفتح ملفات السياسة اليومية، بقدر ما كان يفتح ملفا أكثر عمقا.

كان ينصت منصور إلى وطنٍ يتعثر من تلقاء نفسه، وإلى شعبٍ يملك من المواهب ما يكفي ليكون نجمًا بين الأمم، لكنه ظل يسير طويلًا بأجنحةٍ مكسورة، كأن لعنةً خفيةً كانت تشدّه كلما همّ بالتحليق والطيران.

وحين شخص الرجل علل النقص، لم يكن يرثي الخراب وحده، بل كان ــ من حيث يدري أو لا يدري ــ يستدعي النقيض التاريخي لذلك الخراب.

كان يستدعي كائنًا مؤجلاً في رحم القدر.

ذلك الكائن الذي لمح المتنبي طيفه البعيد وهو يقول:

«ولم أر في عيوب الناس شيئًا كنقص القادرين على التمام.»

ومن هنا يولد سؤال السودان الكبير:

من هو جيل التمام؟

ومن أي رحمٍ سيخرج؟

ومن أي ماءٍ سيتشكل؟

المهم فإن جيل التمام ليس جيلاً بيولوجيًا يُقاس بالسنوات، ولا فئةً عمريةً بعينها تحتكر المستقبل، ولا حزبًا جديدًا يدخل سوق وبورصة الأيديولوجيات.

إنه في الواقع مقامٌ من مقامات الوعي، وحالةٌ من حالات النضج التاريخي، ولحظةٌ تبلغ فيها هذه الشعوب من الألم مبلغًا يجعل الحكمة أكثر إغراءً لها من المكابرة.

إن هذا الجيل هو الابن الشرعي لكل هذه الحرائق التي اعترت البلاد على مدى سبعة عقود أو أكثر.

ولذلك هو ابن الدموع التي فاض بها النيل، وابن الشتات الذي بعثر السودانيين في جهات الأرض الأربع.

إنه الوليد الذي يتخلق الآن من رحم هذه المحنة الكبرى.

غير أن تعريف جيل التمام لا يبدأ من منصور خالد فقط، ولا من أنقاض الدولة الحديثة وحدها.

لكنه يبدأ من مكان أبعد: من الجذر الأول للحكمة السودانية.

من ذلك الرمز السوداني الذي خُلد في القرآن الكريم بأسم: «لقمان الحكيم».

وكأن التاريخ كله كان يمهد لمثل هذه اللحظة.

فبين لقمان ومنصور خالد نهرٌ طويل من التجربة السودانية، وبينهما سؤالٌ واحد: كيف ينتصر الإنسان على نقصه؟

لقد ترك لقمان لابنه عشر وصايا، لكنها في جوهرها لم تكن وصايا لابنٍ واحد، بل كانت مانيفستو لأهل هذه البلاد بكاملها، وكتاب عبورٍ لشعوب السودان بأسرها، ودستورًا أخلاقيًا لجيل التمام الذي ننتظره.

كانت وصيته الأولى:

«يا بني لا تشرك بالله.»

إذ ليس الشرك هنا مجرد قضية عقدية، بل هو قضية حرية أيضًا.

فالطغاة جميعًا يبدأون رحلتهم حين يحولهم البشر إلى أصنام، وحين تصبح أحزابهم آلهةً صغيرة، وقبائلهم معابدَ مغلقة، وأفكارهم أوثانًا لا تُمس.

على أية حال، فإن جيل التمام هو الجيل الذي سيكسر هذه الأصنام كلها: صنم القبيلة، وصنم الأيديولوجيا، وصنم الزعيم المقدس والسيد الكبير، وصنم التاريخ، ليتحرر الإنسان في النهاية من عبودية صنوه الإنسان.

ثم تأتي وصية المراقبة:

«إنها إن تك مثقال حبة من خردل…»

وكأن الحكيم لقمان كان يخاطب أهل السودان الآن من وراء آلاف السنين، يقول لهم: إن الأوطان لا تنهار فجأة، لكن بحبة خردل من فساد، وحبة خردل من كذب، وحبة خردل من ظلم، وحبة خردل من سكوت على الباطل.

تتكاثر هذه الحبات حبةً حبةً حتى يثقل الميزان، فتسقط الشعوب كما تسقط الأشجار التي أكل السوس جوفها.

ولهذا فإن جيل التمام يبدأ أولا من الضمير، من ذلك الحارس الداخلي الذي لا يغفو ولا ينام.

ثم تأتي الوصية الجامعة:

«أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانهَ عن المنكر واصبر.»

إنها ثلاثية النهضة الكبرى: صلةٌ بالمطلق تمنع توحش المنكر، وإصلاحٌ للمجتمع حتى لا يتعفن المحيط والمجال، وصبرٌ طويل حتى لا تموت الأحلام قبل أوانها.

فما من مشروع عظيم ولد في يوم، ولا أمة نهضت في موسم.

إنما ترتقي الأمم كما يرتقي النيل في مواسم الفيضان: قطرةً بعد قطرة، وموجةً بعد موجة، وصبرًا بعد صبر.

ثم يبلغ جد أهل السودان لقمان ذروة الحكمة السياسية حين يقول:

«ولا تصعر خدك للناس.»

كأنما كان يرى من وراء الغيب حروب السودان القادمة، ويرى النخب تتعالى على شعوبها، والقبائل تتفاخر بأنسابها، والجماعات تستعلي بأفكارها.

لقد فهم هذا الحكيم ما عجزت عنه مدارس السياسة كلها: أن الكبر ليس رذيلة فردية فحسب، إنما هو مشروع حرب أهلية مؤجل.

وأن التواضع ليس فضيلة أخلاقية فقط، بل شرط لازم من شروط بناء الأوطان.

ولهذا فإن جيل التمام يمشي بين الناس بقلبٍ من طين، لا يرى نفسه فوق أحد، ولا يرى أحدًا دونه.

ثم تأتي وصية التوازن المدهشة:

«واقصد في مشيك.»

وصية تكاد تختصر أزمة السودان كلها.

فكم أضاعت البلاد ثوراتها بالإفراط، وأضاعت استقرارها بالتفريط.

وكم تحولت الأحلام إلى فوضى، والحذر إلى جمود.

لكن جيل التمام المرتقب سيعرف طريقه جيدا، طريق يحلم فيه دون أن يهذي، ويغامر بالمشي عليه دون أن ينتحر، ويبني قواعده الجديده دون أن يهدم البيت القديم فوق رؤوس الجميع.

ثم تأتي الوصية الأخيرة، وصية النضج ووصية الحكماء:

«واغضض من صوتك.»

وكأن لقمان يطل على فضاءات السودان المعاصرة: على ضجيج المنابر، وصخب السياسة، وعواء الكراهية.

فيقول: ليس أعلى الناس صوتًا أصدقهم، ولا أكثرهم صراخًا أعظمهم أثرًا.

إن النهر العظيم لا يصرخ، والشمس لا ترفع صوتها، والأشجار لا تخطب، لكنها تمنح الحياة.

ولهذا فإن جيل التمام سيكون أقل الأجيال ضجيجًا، وأكثرها عملاً، وأشدها انشغالاً بالبناء لا بالمباهاة.

ولا يقف لقمان وحده في مقدمة هذا الركب.

هناك يرافقه النجاشي، رمز العدل الذي مدحه الوحي قبل أن تمدحه كتب التاريخ.

وهناك بلال، ذلك السوداني الحر الذي حوّل الألم إلى أذان، والعبودية إلى صوت كرامة وكبرياء.

وهناك إدريس النبي، كنز العلوم، الذي تحتفظ الذاكرة السودانية القديمة بأصداء حضوره في هذه الجغرافيا المباركة.

وكأن السودان، منذ فجر التاريخ، كان يُعِدّ في خزائن روحه هذه القيم الكبرى:

حكمة لقمان، وعدالة النجاشي، وحرية بلال، وعلمية إدريس.

وللحقيقة، فإن جيل التمام ليس مشروع دولة فقط، ولا مشروع حكم فقط، ولا مشروع رفاه فقط.

إنه مشروع إنسان، مشروع روح، مشروع أمة تعود إلى نفسها بعد غياب طويل.

أمة تغتسل من أوحال «النواقص الذاتية» التي عددها منصور خالد، لتنهض من سرير التاريخ المثقل بالجراح، كي تستعيد الرسالة التي أودعها الله في هذه الأرض منذ القدم.

وعندها فقط، لن يكون السودان قد بنى دولة ناجحة فحسب، لكنه سيكون قد بلغ تمامه، وأكمل معناه، وأدرك الموعد الذي أدخر لأجله قرونًا طوال.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *