يونيو 12, 2026

السودان ليس للبيع ولا للتجزئة

 

عبدالعزير بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان  ..يكتب

الى دعاة الحرب والانقسام والباحثين عن وطن على مقاس المصالح الشخصية والجهوية والسلطوية

قبل ان ترفعوا شعارات الانفصال مرة اخرى وقبل ان تدفعوا دارفور او كردفان او اي جزء عزيز من السودان نحو مصير مجهول اسألوا انفسكم بصدق وتجرد ومسؤولية

ماذا كانت حصيلة الانفصال الاول؟

ماذا كسب السودان؟

وماذا كسب جنوب السودان؟

هل انتهت الحروب؟

هل توقفت المعاناة

هل تحقق السلام الشامل الذي وعد به دعاة الانفصال؟

هل اختفت مشكلات الفقر والتهميش والفساد؟

ام ان الازمات انتقلت من شكل الى كل ومن جغرافيا الى جغرافيا ومن جيل الى جيل؟

هذه ليست اسئلة عابرة بل اسئلة يجب ان تواجه ضمير كل سياسي وكل قائد وكل صاحب رأي قبل ان يدفع شعبا كاملا نحو مغامرات جديدة يدفع ثمنها الابرياء وحدهم

لقد حاول البعض طوال عقود ان يقنع السودانيين بان مشكلتهم تكمن في مساحة بلادهم الواسعة او في تنوعهم الثقافي والعرقي والديني او في تعدد لغاتهم وثقافاتهم

لكن الحقيقة التي تؤكدها التجارب والتاريخ ان السودان لم يكن ضحية تنوعه بل ضحية سوء ادارت

ولم يكن ضحية اتساع مساحته بل ضحية ضيق افق من تعاقبوا على ادارته

ولم يكن ضحية تعدد مكوناته الاجتماعية بل ضحية غياب مشروع وطني جامع يتسع للجميع

فالتنوع ليس لعنة كما يروج البعض بل ثروة انسانية وحضارية عظيمة

وما من دولة متقدمة في العالم قامت على اللون الواحد او الثقافة الواحدة او العرق الواحد

بل قامت على العدالة وسيادة القانون واحترام التنوع وتحويل الاختلاف الى مصدر قوة لا الى وقود للصراعا

فلماذا يصبح التنوع نعمة في كل مكان ويصور في السودان وكأنه جريمة او مشكلة مستعصية؟

لماذا يتم الهروب من مواجهة الاسباب الحقيقية للازمة؟

لماذا يتم البحث دائما عن حلول سهلة لمشكلات معقدة

الحقيقة المؤلمة ان ازمة السودان لم تكن يوما ازمة حدود بل ازمة حكم

لم تكن ازمة جغرافيا بل ازمة ادارة

لم تكن ازمة شعوب بل ازمة نخ

لقد دفعت البلاد ثمنا باهظا بسبب سياسات الاقصاء والاحتكار والتمييز والفساد وغياب العدالة

ودفعت ثمنا افدح بسبب تقديم المصالح الشخصية على المصلحة الوطنية

فكم من قائد وضع نفسه فوق الوطن؟

وكم من حزب رأى الدولة ملكا خاصا له

وكم من جماعة تعاملت مع السلطة باعتبارها غنيمة لا مسؤولية؟

وكم من حرب اشعلت من اجل مصالح افراد بينما دفعت الشعوب ثمنها دما ونزوحا وفقرا وتشردا؟

ان المأساة الكبرى التي عاشها السودان لم تكن فقط في الحروب بل في العقلية التي صنعت الحروب

عقلية تقديس الاشخاص

عقلية الزعيم الذي لا يخطئ

عقلية الولاء للافراد بدلا عن الولاء للمبادئ

عقلية تحويل السياسة من خدمة عامة الى صراع دائم على السلطة

وعندما يغيب القانون وتحضر الشخصنة تصبح الدولة رهينة للاهواء والمصالح الضيقة

وعندما تضعف المؤسسات ويعلو صوت السلاح يصبح الوطن كله مهددا

لقد اثبتت التجارب ان الدول لا تبنى بالبنادق وحدها ولا بالشعارات وحدها ولا بالكراهية ولا بالانتقام

بل تبنى بالعدالة والشفافية والمساءلة واحترام كرامة الانسان

ولهذا جاءت المواثيق الدولية والاقليمية لتؤكد مبادئ المساواة وعدم التمييز وحق الشعوب في المشاركة السياسية والعيش الكريم والتمتع بالحقوق والحريات دون اقصاء او تهميش

فهل طبق السودان هذه المبادئ تطبيقا حقيقيا؟

هل منحت كل اقاليمه فرصا متساوية في التنمية

هل شعر المواطن في دارفور او كردفان او الشرق او الشمال او الوسط او الجنوب سابقا بان الدولة تمثله وتحمي حقوقه على قدم المساواة؟

هل كانت الوظائف والخدمات والفرص متاحة للجميع بعدالة؟

ام ان الخلل ظل قائما ثم جرى تحميل نتائجه للوطن نفسه بدلا من تحميلها لمن تسببوا فيه؟

ان الدعوة الى الانفصال تبدو للبعض حلا سريعا لكنها في الحقيقة لا تعالج جذور الازمة

فالحدود الجديدة لا تصنع مؤسسات جديدة تلقائيا

والاعلام الجديد لا يخلق قيما جديدة

والاناشيد الجديدة لا تبني اقتصادا ولا تحقق عدالة

والانفصال لا يقضي على الفساد اذا بقيت العقليات نفسها والممارسات نفسها والاسباب نفسها

فهل المشكلة في شكل الخريطة؟

ام في طريقة ادارة الدولة؟

وهل تغيير الحدود يكفي لتغيير الواقع؟

ام ان الاصلاح الحقيقي يبدأ من اصلاح الانسان والمؤسسات والقوانين؟

ان السودان لا يحتاج الى مزيد من الانقسامات بل يحتاج الى مراجعة وطنية شجاعة

يحتاج الى مشروع وطني يؤمن بالمواطنة المتساوية

يحتاج الى قضاء مستقل

ويحتاج الى مؤسسات قوية لا تخضع للافراد

ويحتاج الى جيش وطني يحمي البلاد لا السياسة

ويحتاج الى احزاب تتنافس على خدمة الشعب لا على تقسيمه

ويحتاج الى اعلام مسؤول ينشر الوعي لا الكراهية

ويحتاج الى قيادات تدرك ان السلط وسيلة لخدمة الناس وليست غاية بحد ذاتها

اما دعاة الحرب الذين يتحدثون باسم الشعوب بينما تدمر الحروب حياة الشعوب فعليهم ان يجيبوا على سؤال اخلاقي بسيط

كم طفلا يجب ان يفقد حقه في التعليم؟

وكم امرأة يجب ان تفقد اسرتها؟

وكم شابا يجب ان يدفن مستقبله؟

وكم مدينة يجب ان تتحول الى انقاض؟

حتى يقتنع الجميع ان الحرب ليست طريقا لبناء الاوطان؟

ان التاريخ يعلمنا ان الشعوب قد تختلف لكنها تستطيع التعايش

وقد تتنافس لكنها تستطيع الاتفاق

اما عندما تتحول الخلافات السياسية الى مشاريع للكراهية والانقسام فان الجميع يخسرون

ولا يوجد منتصر حقيقي فوق انقاض وطن ممزق

السودان لم يهزم بسبب تنوع

ولم يسقط بسبب مساحته

ولم ينكسر بسبب تعدد ثقافاته

بل اضعفته الانانية السياسية

وانهكه الفساد

وافسده غياب المحاسبة

واضعفته الحروب التي قدمت المصالح الخاصة على المصلحة العامة

ويبقى السؤال الذي يجب ان يتردد في وجدان كل سوداني حر

 

كم وطنا يجب ان نخسر حتى ندرك ان المشكلة لم تكن يوما في الوطن؟

 

وكم جيلا يجب ان يضيع حتى نعترف ان الازمة ليست في الارض بل في طريقة ادارتها؟

 

ومتى نتعلم ان الاوطان لا تبنى بالانقسام بل بالعدالة؟

 

ومتى ندرك ان قوة السودان ليست في تفتيته بل في وحدته القائمة على الحقوق والمواطنة وسيادة القانون؟

 

ومتى نضع السودان فوق الجميع ونقدم المصلحة العامة على المصالح الشخصية؟

 

ذلك هو السؤال الذي سيحدد مستقبل السودان والاجيال القادمة

وذلك هو التحدي الذي لا يملك السودانيون ترف الهروب منه بعد اليوم

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

12/يونيو /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *