الجميل الفاضل…. يكتب

 

ثمة حروب تنشب بسبب نزاع على الأرض.

وحروب تقوم بسبب الثروة أو السلطة.

غير أن هناك حروباً أشد عمقاً وأبعد غوراً، لا تبدأ يوم تنطلق الرصاصة الأولى، لكن يوم يتسع الشرخ بين ما تؤمن به الشعوب وما تمارسه، بين ما تقوله وما تفعله، بين الصورة التي تراها لنفسها في المرآة والصورة التي يرسمها لها التاريخ.

في ظني أن الحرب السودانية الراهنة تنتمي إلى هذا النوع الأخير.

فهي ليست مجرد مواجهة بين جيوش، ومليشيات، وقوى سياسية، بقدر ما هي لحظة انكشاف كبرى لأسئلة ظلت مؤجلة في وجدان البلاد لعقود طويلة.

ولعل أكثر ما يعيننا على قراءة هذا المشهد الملتبس ليس خطابات الساسة ولا بيانات المتحاربين، إنما كلمات قليلة تركها رجلان من أنبه أبناء السودان: الأستاذ محمود محمد طه والطيب صالح.

قال الأستاذ محمود:

“الرجل الحر هو الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول.”

ثم أضاف في موضع آخر:

“ويكون في النهاية قادراً على تحمل مسؤولية فكره وقوله وعمله.”

وقال الطيب صالح متسائلاً عن حال الإخوان المسلمين، في حسرة العارف بأوجاع وطنه:

“ألا يحبون الوطن كما نحبّه؟ إذاً لماذا يحبونه وكأنهم يكرهونه، ويعملون على إعماره وكأنهم مسخّرون لخرابه؟”

ثم أردف في موضع آخر موجها حديثه لهم:

“من الذي يبني لك المستقبل يا هداك الله وأنت تذبح الخيل وتُبقي العربات، وتُميت الأرض وتُحيي الآفات؟”

لعل هذه العبارات الأربع، إذا اجتمعت، تكاد تلخص مأساة السودان كلها.

فالأستاذ محمود يتحدث عن الحرية.

لكن الحرية هنا ليست حرية الشعارات ولا حرية اللافتات، إنها حرية الاتساق.

حرية أن يصبح الفكر والقول والعمل نهراً واحداً لا ثلاثة جداول متفرقة.

وهنا تحديداً يكمن أحد أخطر أمراضنا الوطنية.

فالسودان لم يكن فقيراً في الأفكار، ولم يكن فقيراً في الأحلام، ولم يكن فقيراً في الشعارات الكبيرة.

لقد امتلأت ساحاته بالحديث عن الحرية والسلام والعدالة، وعن الديمقراطية والحكم المدني.

لكن المأساة بدأت حين افترقت هذه الكلمات عن أفعال أصحابها.

فصار السلام يُطلب بأدوات الحرب.

وصارت الوحدة تُبنى بالإقصاء.

وصارت الحرية تُدافع عنها عقول لا تؤمن بحرية مخالفيها.

وصار الوطن يُرفع شعاراً في النهار ويُستنزف ذات الشعار في الليل.

هكذا اتسعت تلك الهوة الكبيرة بين ما نقول وما نفعل، حتى سقطت البلاد كلها في قاع سحيق.

ومن هنا يبدو سؤال الطيب صالح كأنه الوجه الآخر لكلمات الأستاذ محمود.

فالرجل لا يسأل إن كان الحكام الإسلاميين يحبون الوطن أم لا.

بل يسأل عن طبيعة هذا الحب.

حبٌ من أي نوع هذا الذي ينتهي به المطاف إلى انقلابات وحروب ودمار؟

وأي وطن ذاك الذي يتحدث الجميع باسمه بينما يتناقص نصيبه من السلام والنمو والاستقرار؟

لقد أحب السودانيون وطنهم كثيراً.

لكن كثيراً من ذلك الحب كان مشوباً بحب الذات.

أحب كل فريق السودان الذي يشبهه، السودان الذي يتكلم لغته، ويؤمن بأفكاره.

السودان الذي يمنحه السلطة أو الاعتراف باحقيته فيها.

أما السودان الأكبر، السودان الذي يسع الجميع، فقد ظل في كثير من الأحيان ضحية لهذا التنازع المستمر بين النسخ الصغيرة المتعددة للسودان، كما يراها كل بعينه ومن جهته التي هو فيها.

ولهذا بدا المشهد أحياناً كما وصفه الطيب صالح بعبارته الموجعة:

يحبونه وكأنهم يكرهونه.

غير أن الطيب صالح مضى أبعد من ذلك.

ففي عبارته الأخرى لم يعد يتحدث عن الحب والدمار فقط، بل عن شروط المستقبل نفسها.

“من الذي يبني لك المستقبل يا هداك الله وأنت تذبح الخيل وتبقي العربات؟”

وما أبلغها من صورة.

فالخيل هي الروح.

هي الإنسان.

هي الطاقة الحية التي تجر العربة إلى الأمام.

أما العربات فهي الهياكل والمؤسسات والشعارات والمظاهر.

وكأن الرجل كان يحذرنا من خطأ ظل يتكرر جيلاً بعد جيل:

أن ننشغل بالعربات وننسى الخيول.

أن نحرس الأبنية ونُهمل الإنسان.

أن نتصارع على السلطة بينما تتآكل مقومات الدولة.

لأننا نبحث عن السلطة قبل أن نبني المواطن، وأن نطلب السلام دون أن نؤسس للثقة، وأن نرفع رايات الحرية بينما نحن نخشى من حرية بعضنا علي بعضنا الآخر.

لقد ظلت النخب السودانية، في كثير من الأحيان، تتنافس على قيادة العربة بينما كانت الخيول نفسها تموت من ظمأ والماء فوق ظهورها محمول.

فقد مات التعليم، وضعفت مؤسسات التنشئة، وتراجعت الأخلاق العامة، وتآكلت الثقة الوطنية، وتكاثرت الآفات التي تحدث عنها الطيب صالح، حتى أصبح الخراب نفسه أكثر تنظيماً من محاولات الإصلاح.

وهنا يلتقي الرجلان مرة أخرى.

فالأستاذ محمود يرد أسباب الأزمة إلى غياب الاتساق بين الفكر والقول والعمل.

والطيب صالح يردها إلى قتل أسباب الحياة والإبقاء على هياكلها خاوية.

لتبقي النتيجة في النهاية واحدة.

سلطة تعرف كثيراً مما ينبغي أن تفعله، لكنها تفعل غيره.

وسلطة تتحدث عن المستقبل بينما تهدم شروط قيامه.

وشعوب تنشد الحرية بينما تخاف بلوغها.

وتنشد السلام بينما تستبطن أسباب الحرب.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه هذه الحرب ليس:

من انتصر؟، ومن انهزم؟،

ومن سيحكم السودان غداً؟.

بل هو سؤال أشد عمقاً وأطول عمراً:

سؤال هو هل نملك الشجاعة الكافية لردم الهوة بين ما نقوله وما نفعله؟

هل سنعيد الخيول إلى مكانها الطبيعي أمام العربات؟

وهل سنضع الإنسان قبل السلطة، والحقيقة قبل العصبية، والوطن قبل الجماعة؟

لأن الأمم لا تموت حين تخسر معركة.

إنها تموت فقط حين تفقد قدرتها على الصدق مع نفسها.

كما أنها لا تولد من جديد بمجرد وقف لاطلاق النار.

بل تولد يوم يصبح أبناؤها قادرين على أن يفكروا كما يريدون، ويقولوا كما يفكرون، ويعملوا كما يقولون، ثم يتحملون مسؤولية ذلك كله.

عندها فقط يتوقف حب الوطن عن أن يشبه كرهه.

وعندها فقط يبدأ المستقبل الذي ظل السودان، طويلاً، يبحث عنه في خرد العربات، بينما هو يذبح الخيول التي تصنع الحركة والحياة.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *