الطيب مادري حسن …يكتب القضاء السوداني بين هيبة القانون وتحديات الحرب قبل اندلاع أحداث 15 أبريل كان القضاء يمثل لدى غالبية السودانيين الملاذ الأخير لتحقيق العدالة وكانت الثقة في القانون ومؤسساته قائمة رغم ما واجهته البلاد من أزمات وتعقيدات وكان المتهم يمثل أمام العدالة مطمئنا إلى أن حقوقه مكفولة، وأن الحكم سيصدر استنادا إلى القانون والأدلة والبينات، لا إلى الانتماءات السياسية أو الجهوية أو القبلية فهيبة القضاء لم تكن مستمدة من السلطة أو القوة وإنما من ثقة الناس في نزاهته واستقلاله. ولذلك ظل القضاء عبر العقود أحد أهم مؤسسات الدولة التي يلجأ إليها المواطن طلبا للإنصاف عندما تضيق به السبل غير أن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل وما تبعها من استقطاب سياسي حاد ألقت بظلالها على مختلف مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسة القضائية وقد أثارت بعض الممارسات والمواقف التي برزت خلال هذه الفترة تساؤلات مشروعة حول مدى المحافظة على مبدأ الحياد القضائي وهو المبدأ الذي يشكل أساس العدالة وركيزتها الأولى إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس الحرب وحدها بل اهتزاز ثقة المواطنين في منظومة العدالة فالحروب مهما بلغت خسائرها يمكن أن تنتهي ويمكن إعادة إعمار ما دمرته المدافع لكن فقدان الثقة في القضاء يترك جرحا عميقا في جسد الدولة ويهدد استقرارها على المدى البعيد وحين تتسلل السياسة إلى ساحات القضاء وتصبح الأحكام محل شك وتساؤل تفقد العدالة معناها الحقيقي ويتحول القانون من أداة لحماية الحقوق إلى أداة للصراع وتصفية الحسابات كما أن أي محاكمات تبنى على دوافع سياسية أو جهوية أو قبلية أو ينظر إليها على هذا النحو لا تسهم في تحقيق الاستقرار أو بناء السلام بل تعمق الانقسامات وتوسع دائرة فقدان الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة إن استقلال القضاء ليس مجرد مبدأ قانوني أو نص دستوري بل هو الضمانة الحقيقية لحقوق المواطنين والحصن الذي يحمي المجتمع من الفوضى والانتقام ولذلك فإن الدول التي تحترم نفسها تحرص على إبقاء القضاء بعيدا عن الصراعات السياسية والاستقطابات الحزبية لأن العدالة لا يمكن أن تؤدي رسالتها إذا فقدت استقلالها أو أصبحت طرفا في النزاع وهناك مقولة شهيرة تنسب إلى نابليون إن سقطت فرنسا فسنعيد بناءها من جديد ولكن إن سقطت العدالة فلن تقوم لفرنسا قائمة وسواء صحت الرواية التاريخية أم لا فإن المعنى الذي تحمله هذه العبارة يظل عميقا وصالحا لكل زمان ومكان فالدول يمكن أن تتعافى من الحروب ويمكن أن تعيد بناء مدنها ومؤسساتها لكن انهيار العدالة وفقدان الثقة في القضاء يمثلان تهديدا وجوديا لكيان الدولة نفسه. إن قوة الدول لا تقاس فقط بعدد الجيوش أو حجم الترسانات العسكرية بل بمدى احترامها للقانون وقدرتها على حماية الحقوق وضمان استقلال القضاء فالعدالة ليست مؤسسة من مؤسسات الدولة فحسب بل هي أساس الشرعية والاستقرار والسلم الاجتماعي. واليوم وفي ظل الأزمة التي يعيشها السودان تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى حماية المؤسسة القضائية من الاستقطاب السياسي وإعادة ترميم الثقة بين المواطن ومنظومة العدالة لأن بناء السلام الحقيقي لا يبدأ من ساحات القتال بل يبدأ من سيادة القانون والشعور العام بأن العدالة تطبق على الجميع دون تمييز أو انحياز فإذا كانت الحروب تدمر المدن فإن غياب العدالة يدمر الأوطان وإذا كان بالإمكان إعادة بناء الحجر فإن إعادة بناء الثقة في القضاء تحتاج إلى سنوات طويلة من النزاهة والاستقلال والالتزام بالقانون. ولهذا تبقى العدالة هي آخر حصون الدولة وإذا سقط هذا الحصن فلن يكون الخاسر طرفا سياسيا بعينه بل الوطن بأكمله غدا يوم جديد شارك تصفّح المقالات ليتنا نفكر كما نريد، ونقول كما نفكر، ونعمل كما نقول؟!