متابعات- نبض نيوز – لجوء تحالف “تأسيس” لإيجاد مؤسسات مالية ونقدية هو استجابة أخلاقية لسياسات التجويع والحصار التي يمارسها المركز. – الشهادات الصادرة من مناطقنا تستند إلى النظم الوطنية للدولة السودانية، ومعركتنا الحقيقية هي تأمين مستقبل الطلاب لا استجداء الاعتراف الدولي. – “حكومة السلام الانتقالية” تمتلك وكالات إنسانية تدير ملف الإغاثة ميدانياً، والمجتمع الدولي ينسق مع سلطة الأمر الواقع لإنقاذ الأرواح. – لا نسعى لإنشاء دولة موازية بل حكومة خدمات، وعلى أي تسوية سياسية شاملة أن تعترف بوجود سلطتين على الأرض. – الخطوات الإدارية في مناطقنا لا تعرقل التفاوض بل تحرك المياه الراكدة وتضغط على الأطراف للإذعان لخيارات السلام. – نرحب بالضغط الدولي، والحل يبدأ بهدنة إنسانية تقود لتصميم عملية سياسية تؤسس لدولة سودانية جديدة. – سحب بساط الشرعية الدولية من سلطة بورتسودان هو الهدف الاستراتيجي للمرحلة الحالية. ==== في ظل المشهد السوداني البالغ التعقيد، والتحولات المتسارعة التي تشهدها خارطة النفوذ والسيطرة، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل وحدة السودان الإدارية والاقتصادية. ومع تطاول أمد الصراع المسلح، تجد القوى العسكرية والسياسية نفسها أمام استحقاقات مصيرية تتعلق بتدبير حياة ملايين المواطنين في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، مما يدفع نحو تشكيل أجسام إدارية ومؤسسات خدمية موازية يراها البعض خطوة اضطرارية لإنقاذ المدنيين، بينما يصنفها آخرون كبادرة لتقسيم البلاد وتكريس الانفصال. في هذا الحوار الحصري، يجيب الأستاذ أحمد تُقد لسان، المتحدث الرسمي باسم تحالف “السودان التأسيسي”، على الأسئلة الساخنة المتعلقة بخطط التحالف لإنشاء مؤسسات مالية ونقدية مستقلة، وإقامة امتحانات منفصلة، وإدارة ملف الإغاثة والمساعدات الإنسانية عبر “حكومة السلام الانتقالية”. كما يتطرق بشفافية إلى موقف التحالف من صراع الشرعية بين بورتسودان ونيالا، وحقيقة التسويات السرية، ومستقبل الحل السياسي الشامل في السودان. حوار: راينو ====== * تؤكدون التزامكم بوحدة السودان، لكنكم في الوقت ذاته تبحثون خطوات لتأسيس بنك مركزي وإصدار عملة. كيف تفسرون إمكانية الموازنة بين الحفاظ على الوحدة السياسية والاقتصادية للبلاد وبين إيجاد مؤسسات مالية ونقدية مستقلة تماماً عن المركز؟ إن الدوافع الحقيقية التي أدت إلى تحرك “حكومة السلام والانتقال” نحو اتخاذ خطوات مؤسسية مستقلة، تكمن في مواجهة السياسات الممنهجة التي تتبعها سلطة المركز في بورتسودان. لقد عمدت سلطة الأمر الواقع هناك إلى توظيف الخدمات الأساسية وحرمان المواطنين منها كأداة من أدوات الحـرب والتنكيل السياسي. وشهدنا كيف عُزل المواطنون عموماً في أقاليم غرب السودان ومناطق سيطرتنا عن خدمات الاتصالات، ومُنعت عنهم الإمدادات والمساعدات الإنسانية، وحُرموا من استخراج وثائق الهوية والأوراق الثبوتية، بل ووصل الأمر إلى تجميد العملية التعليمية ومنع الطلاب من الجلوس للامتحانات. أمام هذا الحصار الذي امتد لما يقارب السنوات الثلاث، عانى المواطن السوداني في هذه المناطق من فجوة معيشية حادة وحرمان تام من الحقوق الأساسية. ولم يكن أمامنا من خيار، انطلاقاً من مسؤوليتنا الأخلاقية والوطنية، إلا التدخل لملء هذا الفراغ الإداري والخدمي وتوفير البدائل والمعينات الضرورية لاستمرار الحياة وتخفيف المعاناة عن كاهل المدنيين. *وبالنسبة للمءسسات المالية والنقدية؟ ما يُثار بشأن الخطوات المتعلقة بالملف المالي والنقدي؛ فقد جاء هذا التحرك بعد أن فرض المركز حصاراً اقتصادياً خانقاً، شمل تحريم تداول العملة الحالية في مناطقنا، وتحجيم وتجفيف قنوات السيولة النقدية، وقطع الاتصال الشبكي المصرفي لمنع وصول الرواتب والمعاملات التجارية إلى الأراضي السودانية برمتها في تلك النواحي. بناءً عليه، أصبح إيجاد نظام مالي ونقدي موازٍ مسألة بقاء اقتصادي وليس ترفاً سياسياً. ونؤكد بشكل حاسم أن هذه التدابير الاستثنائية ليست دليلاً على رغبة تحالف “السودان التأسيسي” في خلق واقع انفصالي أو تقسيم البلاد؛ بل هي تدابير مؤقتة فرضتها طبيعة الحـرب وسقوط واجبات المركز تجاه مواطنيه. إن الوحدة الاقتصادية الحقيقية لا تقوم على إخضاع المواطنين لسياسات التجويع، بل على تكافؤ الفرص. وحين تضع الحـرب أوزارها ويُتفق على صيغة حكم وطنية جديدة، فإن هذه المؤسسات الإدارية والنقدية المستحدثة يمكن دمجها أو تكييفها ضمن هيكل الدولة الموحد على أسس اتحادية أو فدرالية تضمن عدم تكرار سلاح الحصار المالي ضد أي إقليم مستقبلاً. إنها خطوة لحماية الحقوق الإنسانية، والمسؤولية تقع كاملة على من دفع الشعب نحو هذه الخيارات الحرجة. • بعد إقامة امتحانات مستقلة للشهادة السودانية في مناطق سيطرتكم، ما هي الضمانات والآليات التي يمتلكها التحالف لتأمين اعتراف دولي وإقليمي بشهادات الطلاب، وتفادي عزلهم أكاديمياً عن بقية المنظومة التعليمية التي يسيطر عليها الجيش؟ فيما يتعلق بملف التعليم والآليات المتبعة، يجب أولاً تصحيح المفهوم السائد؛ فالشهادات التعليمية والامتحانات التي أُجريت في مناطقنا ليست بحاجة إلى اعتراف دولي استثنائي أو منشأ قانوني جديد خارج سياق الدولة السودانية. نحن لا نطرح أنفسنا ككيان أو دولة أخرى منفصلة تبحث عن اعتراف خارجي بشهاداتها؛ بل نحن نتحرك كدولة سودانية، ونمارس سلطاتنا السيادية والدستورية لحماية مواطنينا في أراضينا. إن هذه الامتحانات والشهادات تتبع بدقة ذات النظم، والمناهج، والتسلسل الرقمي والتوثيقي المعمول به تاريخياً في جمهورية السودان، وتأتي اتساقاً مع الأطر والسياسات العامة للتعليم في الدولة. بالتالي، فإن المعايير الأكاديمية والفنية مستوفاة بالكامل، والطلاب جلسوا للمقررات السودانية الوطنية المعتمدة. إن تركيزنا الأساسي لا ينصب على استجداء شرعية دولية للشهادة، وإنما على هندسة مسارات واقعية لتأمين مستقبل هؤلاء الطلاب، حيث نعمل على مستويين لتفادي أي عزل أكاديمي؛ أولاً من خلال المستوى الداخلي عبر تفعيل وافتتاح مؤسسات التعليم العالي والجامعات في المناطق الخاضعة لإدارتنا لاستيعاب هؤلاء الطلاب مباشرة وتوفير المقاعد الدراسية لهم في مسارات البحث العلمي والتعليم التقني والجامعي، وثانياً على المستوى الإقليمي والدولي من خلال فتح قنوات اتصال مباشرة مع المنظمات الدولية المهتمة بالحق في التعليم (مثل اليونسكو والمنظمات الأممية)، بالإضافة إلى جامعات في دول الجوار الصديقة، لشرح الطبيعة القانونية والإنسانية لهذه الامتحانات، وضمان اعتماد وتسهيل قبول هؤلاء الطلاب في برامج الدراسات العليا والجامعية بناءً على استيفائهم للمعايير الأكاديمية الوطنية، بعيداً عن الاستغلال السياسي للملف من قِبل واجهات سلطة المركز في بورتسودان. إن الهدف الأسمى هو بناء إنسان سوداني مؤهل ومسلح بالمعرفة والعلم، ليكون قادراً على مواكبة التطور والمساهمة في إعمار ما دمرته الحـ.رب، والتعليم حق إنساني طبيعي غير قابل للتسييس أو الحظر تحت أي ركام. *تعتمد المبادرات الإنسانية وعمليات الإغاثة دولياً على التنسيق مع المؤسسات التي يسيطر عليها الجيش.. كيف يخطط التحالف لإدارة ملف المساعدات وتوفير الخدمات الأساسية في حال واجهت هذه الأجسام الإدارية المستحدثة عقبات في الاعتراف أو التعامل الدولي؟ هذه المعلومات التي تشير إلى انحصار التعامل الدولي مع المؤسسات التابعة للجيش هي معلومات غير دقيقة وتجافي واقع العمل الإنساني الميداني. إن “حكومة السلام الانتقالية” تمتلك أجهزة، وأذرعاً، ووكالات إنسانية متكاملة ومؤهلة تأسست خصيصاً لإدارة هذا الملف الحيوي. وقد أصدرت القيادة توجيهات واضحة وقاطعة بضرورة ضبط وتنسيق عمل كافة الجهات والمبادرات المحلية الدولية المعنية بتقديم العون الإنساني لضمان عدالة التوزيع ووصول الدعم لمستحقيه الفعليين، على أن تمر كافة هذه العمليات عبر بوابة “الذراع الإنساني لحكومة السلام الانتقالية”. لقد فرغت هذه الوكالات والأجهزة من ترتيب كافة التدابير الإدارية والفنية المطلوبة؛ سواء من حيث حصر وتوثيق الاحتياجات، أو تسجيل المنظمات، وتنسيق خطوط السير والمتابعة الميدانية اللوجستية. إن القانون الدولي الإنساني يستند في جوهره إلى مبدأ “الوصول المباشر وغير المشروط للمدنيين في مناطق النزاع”، بغض النظر عن الاعتراف السياسي بالجهة المسيطرة. والواقع السائد اليوم على الأرض يثبت أن هذه الأجهزة والوكالات الإنسانية التابعة لنا تعمل بالفعل وبتنسيق متقدم مع سلطات الإدارة القائمة ميدانياً ومع المنظمات الدولية والأممية العاملة في الأراضي التي تديرها حكومة السلام الانتقالية. *وهل تعي المنظمات الدولية ذلك؟ المنظمات الدولية تدرك تماماً أن إيصال الإغاثة وإنقاذ الأرواح يتطلب التعامل مع القوة الحقيقية التي تؤمن الأرض وتدير شؤون السكان. نحن نقدم لهذه المنظمات بيئة عمل آمنة، وشفافية مطلقة في مشاركة البيانات والمعلومات الكافية، وتسهيلات لوجستية تضمن توزيع المساعدات والخدمات الطبيعية والغذائية حسب الحوجة الفعلية للمواطنين، ووفق سياسات إنسانية مرسومة بمهنية؛ مما يجعل تجاوز أجسامنا الإدارية أمراً مستحيلاً من الناحية العملية لكل من يريد بصدق إغاثة الشعب السوداني. * بالنظر إلى التجارب الإقليمية المماثلة، فإن نشوء مؤسسات موازية غالباً ما يضعف فرص الحلول السياسية الشاملة؛ كيف يرى التحالف أفق التوصل إلى تسوية وطنية موحدة في ظل وجود نظامين إداريين وماليين منفصلين على أرض الواقع؟ إذا أردنا قراءة المشهد بعين الواقعية السياسية وبعيداً عن الشعارات، يجب أن نقر بأن هناك -بحكم الأمر الواقع- سلطتين قائمتين على الأراضي السودانية، وتقوم كل منهما بالوظائف والمهام الإدارية والخدمية المنوطة بأي حكومة تجاه السكان. هذا واقع مادي مشهود لا يمكن تجاوزه أو القفز فوقه، وبالتالي فإن أي تفكير جاد من القوى الوطنية أو الوسطاء الدوليين للبحث عن حل سياسي شامل يضمن وحدة السودان، يجب أن ينطلق من اعتراف صريح بهذا الواقع القائم لبناء تسوية قابلة للحياة على أساسه. ونحن في تحالف “السودان التأسيسي” نعلن عن كامل استعدادنا وجاهزيتنا للتعاطي الإيجابي والمسؤول مع كافة الآليات الإقليمية الدولية المعنية بحل النزاع المسلح في السودان. إننا نسعى بكل ما أوتينا من قوة وإرادة سياسية لتحقيق سلام عادل واستقرار مستدام يؤمن وحدة السودان، ولكن على أسس جديدة تقطع مع مظالم الماضي وتضمن مستقبلاً موحداً ومستقراً للشعب السوداني. ويجب التمييز بوضوح بين مفهوم “خلق دولة جديدة” ومفهوم “تأسيس حكومة إدارية”. إن تحالفنا لم يسعَ يوماً، وليس من أولوياته إطلاقاً، إنشاء دولة منفصلة أو تخليق سودان آخر موازي للسودان القديم بالمعنى الانفصالي؛ فالدولة وجغرافيتها وشعبها وسيادتها واحدة. كل ما جرى هو تأسيس سلطة وحكومة تسييرية لتقديم الخدمات الضرورية الملحة والتعامل مع متطلبات الحياة اليومية للمواطن التي عجز المركز أو تعمد إهمالها. وهناك فرق قانوني وسياسي شاسع بين السعي للاعتراف بدولة جديدة وبين المطالبة بالاعتراف بحكومة تدير واقعاً معيناً. ومن هذا المنطلق الفكري، فإن أبوابنا منفتحة تماماً وبلا قيود أمام أي مبادرة جادة تسعى لوقف الحـ.رب، ونتعاطى بإيجابية مع كافة الأطراف الدولية لإنهاء النزاع بما يحافظ على وحدة السودان أرضاً وشعوباً، ويصون سيادته وسلامة أراضيه من التشظي. – يرى الوسطاء الدوليون أن اتخاذ خطوات إدارية أحادية حتى وإن كانت رد فعل على ممارسات الجيش، يضعف موقف القوى المدنية والسياسية في التمسك بالحل السلمي الشامل؛ كيف تردون على القول بأن هذه الإجراءات تمنح الأطراف العسكرية المبرر للاستمرار في التصعيد وتجاوز طاولات التفاوض؟ نحن نرفض هذه القراءة تماماً، ولا نرى مطلقاً أن التدابير الإدارية والخدمية التي اتخذناها تمنح أي طرف عسكري مبرراً للاستمرار في التصعيد أو الهروب من استحقاقات طاولات التفاوض. بل على العكس تماماً، إن هذه الخطوات تخدم مسار السلام من زاويتين استراتيجيتين؛ أولاً لأنها تؤكد للأطراف العسكرية والسياسية المتصلبة في المركز أن سياسة كسب الوقت ومحاولة إخضاع الأقاليم عبر الحصار المالي والخدمي لم تعد مجدية، وأن استمرار الحـرب سينتج واقعاً إدارياً جديداً يصعب عليهم تجاوزه مستقبلاً؛ مما يشكل عنصر ضغط حقيقي وقوي يدفع الجميع للجلوس والإذعان لرغبة السلام والبحث الجاد عن خيارات سياسية تعالج الأزمة من جذورها، بدلاً من المراهنة على الحلول العسكرية والسياسات الأمنية العقيمة. وثانياً لأن هذه الخطوة شجاعة وضرورية لتحريك المياه الراكدة في كافة المحاور والمسارات، فهي تدق ناقوس الخطر أمام المحور الدولي والإقليمي وتلفت انتباه الوسطاء إلى أن استمرار حالة السيولة والجمود التفاوضي له كلفة إدارية وإنسانية باهظة على الأرض، كما أنها تحفز القوى السياسية والأطراف المتصارعة وتدفعها للخروج من دائرة المراوحة والبحث عن تسوية سياسية شاملة وعاجلة تنهي الحـ.رب وتضع حداً لوجود سلطات متعددة، فالإدارة الذاتية هنا هي وسيلة لحماية المواطن وتحفيز السلام، وليست غاية لتكريس الحـ.رب. – الملاحظ في أديس أبابا تعذر قيام لقاء يجمع بين تأسيس وصمود.. ما الأسباب وراء ذلك؟ صحيح، لم ينعقد اللقاء الذي كان مقرراً بين تحالف “السودان التأسيسي” وبين تحالف “صمود” (تقدم) في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وهذا الأمر في سياقه السياسي ليس مستغرباً أو ناتجاً عن موقف عدائي؛ إذ لا يوجد لدينا أي مانع مبدئي أو رفض قاطع للقاء المشترك. إن الانفتاح على الحوار والتشاور مع كافة القوى السياسية والمدنية والأطراف السودانية المعنية بإنهاء الصراع، هو موقف استراتيجي وثابت ورئيسي في أدبيات تحالف “السودان التأسيسي”. أما عدم إتمام اللقاء في تلك الجولة، فيعود حصراً لعدم ملاءمة الظروف الموضوعية واللوجستية المصاصبة لتلك اللقاءات في ذلك التوقيت، وهي أسباب تفصيلية وإجرائية نفضل عدم الخوض فيها حالياً لعدم جدواها. ونؤكد أن تحالف “تأسيس” يتبنى سياسة الباب المفتوح مع كافة الأطراف والكتل الوطنية، لكننا نضع خطاً فاصلاً وواضحاً يستثني جهات محددة لا يمكن التعاطي معها في رسم مستقبل السودان؛ وهي حزب المؤتمر الوطني المنحل، والحركة الإسلامية بكافة واجهاتها وتفرعاتها السياسية والأمنية، فضلاً عن تلك العناصر والأفراد التابعين للحركة الإسلامية والمندسين بعناية داخل بعض الكتل والكيانات السياسية مصنوعة حديثاً، والتي أُنشئت لأغراض واضحة هدفها إغراق العملية السياسية وتشتيت الجهود الوطنية. عدا هذه المجموعات الإقصائية، فإننا مستعدون متى ما توفرت الظروف الإجرائية والمناخ المناسب للجلوس مع أي طرف سوداني يبحث عن السلام والديمقراطية. – كثيرون يتحدثون عن تسوية سرية تمت بالفعل بين أطراف الحرب، بفعل الاجتماعات المتعددة التي خاضها الطرفان.. ما حقيقة ذلك؟ كل ما يتردد في بعض منصات التواصل الاجتماعي والوسائط الإعلامية حول وجود تسوية سياسية سرية خلف الكواليس أو تفاهمات تحت الطاولة بين أطراف الحـ.رب، هو حديث عارٍ تماماً عن الصحة، ويندرج ضمن المعلومات غير الدقيقة والمصنوعة والموجهة لخدمة أجندات تضليلية معينة لتهدئة الرأي العام أو إرباكه. الحقيقة الثابتة والمؤكدة هي أنه لا توجد أي تسوية، ولم يحدث أي تواصل مباشر أو سري يفضي إلى اتفاقات ثنائية بين الطرفين بعيداً عن المنابر الرسمية المعلومة للجميع. ونحن نؤمن إيماناً راسخاً بأن أي معالجة للأزمة السودانية وأي اتفاقات تتعلق بوقف النزاع المسلح وصياغة مستقبل البلاد، يجب أن تتم عبر مسارات مفتوحة، شفافة، وعلنية، وتحت أنظار وثقة الشعب السوداني وبشهادة الآليات الإقليمية الدولية المعنية بحل الصراع، فالقضايا المصيرية للوطن لا يمكن تمريرها في الغرف المظلمة. – كيف تنظر للبيان الدولي الأخير الذي صدر حول الاصرار على سلطة مدنية في السودان، وتهديد للمعرقلين؟ لقد رحبنا في تحالف “السودان التأسيسي” ترحيباً حاراً بالبيان الصادر عن المجموعة الدولية؛ نظراً لكونه استند إلى مقررات بيان الرباعية الدولية ودعا بقوة إلى ضرورة الانخراط الفوري في عملية سياسية جادة شاملة تنهي الصراع. ونحن نشجع وندعم بقوة أي جهد دولي أو إقليمي يسعى بصدق لإيجاد حل سياسي وحسم النزاع القائم عبر الوسائل السلمية والتفاوضية، ومن هذا المنطلق المبدئي جاء ترحيبنا الفوري بمضمون البيان. إن القضية في قناعتنا لا تقف عند حدود إطلاق شعارات “الإصرار على سلطة مدنية” كقالب جاهز دون تهيئة الأرضية اللازمة له. إن الواقع المعقد على الأرض يتطلب التزاماً بخارطة طريق متدرجة وعملية تتلخص في أن الخطوة تبدأ أولاً بالهدنة الإنسانية الشاملة عبر الوقف الفوري للعدائيات لفتح الممرات الآمنة وإيصال المساعدات للمواطنين في كافة الأقاليم، تليها ثانياً مرحلة وقف إطلاق النار المؤقت والآليات الرقابية من خلال تطوير الهدنة إلى وقف إطلاق نار مؤقت ومستدام تصاحبه أنشطة لوجستية واضحة لإنشاء آليات مراقبة دولية وإقليمية مستقلة ومحايدة على الأرض لضمان عدم خرق الاتفاق، وثالثاً الانتقال إلى تصميم العملية السياسية الشاملة عبر استثمار مناخ الاستقرار المؤقت لجلوس كافة الأطراف السودانية (باستثناء قوى الردة والمؤتمر الوطني) لتصميم عملية سياسية تفصيلية تهدف إلى “تأسيس دولة سودانية جديدة على أسس جديدة”. إن هذه الدولة الجديدة يجب أن تُبنى على خلفية الفهم العميق لأسباب النزاع المسلح، وحجم الدمار الهائل الذي طال البنية التحتية والنسيج الاجتماعي؛ لضمان صياغة عقد اجتماعي ودستوري جديد يحقق العدالة، والديمقراطية، والمواطنة بلا تمييز. – كيف ترى صراع الشرعية بين نيالا وبورتسودان ، خصوصا وأن الكونجرس الأمريكي بدأ صوته يعلو طعنا في مواجهة شرعية سلطة بورتسودان؟ إن صراع الشرعيات المحتدم اليوم بين مراكز القرار في بورتسودان ونيالا، يمثل جوهر وحقيقة الغرض الاستراتيجي من وراء التشكيلات والخطوات الإدارية التي اتخذتها قوى الهامش وحكومة السلام. إن الهدف الأساسي ليس مجرد إدارة خدمية محلية، بل هو منازعة سلطة المركز في شرعيتها السياسية والدبلوماسية، واتخاذ كل التدابير القانونية والسياسية الممكنة لنزع وإسقاط صفة “التمثيل الحصري للدولة السودانية” عن مجموعة بورتسودان، التي اختطفت قرار العاصمة واختزلت الدولة في واجهة عسكرية وأمنية تشن الحـ.رب على شعبها. إن التحركات الأخيرة داخل أروقة صناعة القرار الدولي، وارتفاع الأصوات الناقدة داخل الكونجرس الأمريكي والجهات الفاعلة التي تطعن صراحة في شرعية وأهلية سلطة بورتسودان، تؤكد أن هذا المسار الاستراتيجي يمضي بخطى ثابتة ومؤثرة في الاتجاه الصحيح. والهدف النهائي من هذا الصراع الدبلوماسي ليس بالضرورة تثبيت شرعية مطلقة لأي من الطرفين الحاليين كممثل وحيد للسودان، بل خلق حالة من “التوازن والضغط المتبادل” تُفقد سلطة بورتسودان القدرة على ادعاء تمثيل السيادة بشكل أحادي، وتجبر المجتمع الدولي على التعامل مع الواقع القائم كسلطات متعددة؛ مما يدفع في نهاية المطاف نحو نزع الشرعية عن خيار الحـ.رب، وإجبار الجميع على الذهاب إلى طاولة تفاوض وطنية تؤسس لشرعية دستورية ومدنية جديدة تنال اعتراف الشعب السوداني أولاً والمنظومة الدولية ثان. نقلا عن راينو. شارك تصفّح المقالات المقالة السابقة المرصد السوداني الوطني لحقوق الإنسان بيان استهداف جسر اردمتا بالجنينة