الجميل الفاضل… يكتب

 

(لقد رأيتهم، ورأيتُ خلفهم ظلالاً تمشي)

لم يكونوا يمشون على الأرض بقدر ما كانوا ينسابون فوق سطحٍ أملسَ طريٍّ بسرعة الضوء، كأنهم أسرابُ فراشاتٍ أضاعت نارها الأولى، فصارت تدور حول مصابيحَ أخري تتراءى من بعيد.

أعينُهم معلقةٌ بألواحٍ صغيرةٍ من زجاج، وأرواحهم معلقةٌ بشيءٍ أبعد من هذا الزجاج؛ بشوقٍ غامضٍ إلى معنىً قديمٍ نسوه، وبحنينٍ يتيمٍ إلى وطنٍ لا يتذكرون الآن اسمه.

كلُّ إصبعٍ كان يجرُّ إصبعاً آخر، وكلُّ شاشةٍ تلدُ شاشةً، وكلُّ نافذةٍ تفتحُ ألفَ نافذة، حتى ضاع منهم الباب.

أما القلب منهم، فقد بقي وحيداً عند ذات العتبة العتيقة.

ينتظر.

ينتظر صاحبه أن يعود.

كأن البشرية كلها قد خرجت اليوم من بيت الروح، وتركت المصباح مشتعلاً في الداخل.

في البدء لم يكن الإنسانُ رقماً.

كان نفخةً.

وكان سراً.

وكان ومضةً من نورٍ نبيك “يا جابر”.

ثم أخذت الدنيا تُثقله بطبقاتها، حتى نسي السماء وهو منهمكٌ يفتش في التراب.

لكن حين اشتدَّ عليه الزحام، وعلت أصوات الأسواق، ونهضت من حوله أصنامُ الأيديولوجيا من مراقدها، وقف رجلٌ على تخوم الزمن، كأنه خارجٌ من سلالة النور، ليقول كلماتٍ تشبه المفاتيح:

أن تفكر كما تريد.

وأن تقول كما تفكر.

وأن تعمل كما تقول.

فاتسعت رؤيته وإن ضاقت عنها عبارته.

لأن هذا الرجل السوداني لم يكن يتحدث عن الأخلاق فحسب، بل كان يتحدث عن وحدة الكائن البشري.

عن ردِّ الإنسان إلى نفسه بعد طول اغتراب.

عن جمع شعثه بعد أن بعثرته المخاوف.

عن أن يصبح قلبه ولسانه ويده نهراً واحداً يصبُّ في بحر الحقيقة.

فالناسُ في أفضل أحوالهم يعيشون كالممالك المتحاربة.

في داخل الواحد منهم ألفُ حاكم، وألفُ سجين، وألفُ مؤذنٍ لحقٍّ لا يتبعه أحد.

يفكرون شيئاً، ويقولون شيئاً، ويعيشون شيئاً آخر.

كأن أرواحهم مرايا مكسورة تتناثر فيها الشمس، لكن لا يكتمل بداخلها الضوء.

غير أنه فقط حين تتعانق الأضلاع الذهبية الثلاث، يقع مثل هذا السرِّ:

ليخرج الإنسان من شتات الكثرة إلى أحدية المعنى، ويولد الفرد.

لا الفرد الذي يعزل نفسه عن العالم، لكن الفرد الذي يستردُّ مركزه وسط ضجيج هذا العالم. الفرد الذي يقيم عرشه داخل قلبه، لا في فضاء الترند وتصفيق الجماهير.

رغم أن هذا التنين الجديد لم يأتِ هذه المرة بسيف، لكنه جاء بخوارزمية.

لم يبنِ سجونه من الحجر، إنما من الرغبات.

ولم يضع الأغلال في الأيدي، لكن في مركز الانتباه.

فصار ينسج حول الإنسان شرنقةً من الأصوات تشبه صوته هو، حتى أفقده القدرة على سماع أية حقائق تأتيه من جهةٍ أخرى.

وصارت الخوارزمية كاهناً يهمس تعاويذه في قعر أذن كل واحدٍ منا:

«لا تفكر، دعني أفكر عنك».

ويهمس في أذن الضمير: «لا تقف وحدك، فالقطيع بات أكثر أماناً».

ويدندن في أذن الإرادة: «لا تتعب نفسك بالفعل، اضغط زرّاً فقط، وسيحسبك العالم بطلاً».

هكذا، لم يُقتل الإنسان، بل تبخر.

كما يتبخر الندى تحت شمسٍ لا ترحم.

بيد أن الله لا يترك عباده نهباً للمرايا. إنه يوقظهم أحياناً بالحب، وأحياناً بالفقد، وأحياناً بالخراب، وأحياناً بالموت.

فإذا ضاقت الأرض بما رحبت، وإذا اكتشف المرء أن ملايين المتابعين لا يستطيعون أن يمسحوا دمعةً واحدة من عينيه، وإذا رأى عقله الاصطناعي يجيبه عن كل شيء إلا سؤال الهوية، سيبدأ يسمع النداء القديم من جديد:

«من أنت؟»

لا «ماذا تملك؟» ولا «ماذا تعرف؟» ولا «كم يتابعك من الناس».

ومن السؤال «من أنت؟» تبدأ الرحلة.

عندها يتعلم السالك أن يبني في قلبه غرفةً لا تدخلها الشبكات، وخلوةً لا تصلها الإشعارات، وسماءً لا تعبرها الأقمار الصناعية.

يخبئ فيها دمعته، وذكره، وشوقه، وسرَّه الذي لا يعرفه أحد.

حينها تصير سريرته أوسع من علانيته، ويصبح باطنه محيطاً، وظاهره نهراً.

فيما يرى الناس الماء رقراقاً، ولا يرون البحر عميقاً كما ينبغي.

ثم يمضي الكلُّ صاعداً: من مقام الصدق إلى مقام الشهود، ومن مقام الشهود إلى مقام الأنس، ومن مقام الأنس إلى تلك الذروة التي تذوب عندها اللغة نفسها.

حيث لا يبقى إلا الحضور، ولا يبقى سوى الله وحده لا شريك له.

ولا يبقى من العبد إلا سرُّه العاري من الأسماء.

هناك، في تلك اللحظة، تتوقف ساعات الأرض عن العدّ، وتسقط جدران المكان، وتعود الروح إلى أصلها الأول كطائرٍ أنهكه السفر فعرف أخيراً طريقه إلى العش.

على أية حال، فمن ذاق ذلك البرد مرةً واحدة، استحال على العالم أن يروّضه.

يحمل هاتفه، لكن الهاتف لا يحمله.

يعبر المنصات، لكن المنصات لا تعبر إليه.

يسكن العصر، لكن العصر لا يسكنه.

يمشي بين الناس جسداً، أما قلبه فمشدودٌ بخيطٍ من نورٍ إلى رحابٍ أخرى.

ولو أن زند أرضه احتمل مثل هذا الندى كله، لكسا التاريخ زندها ما تشاء: ثوباً من العشب الطري، وإبرتين من العبير، وخيط ماء.

حتي قبل أن يخرج على الناس طلائع أحرار البشرية من أطمارهم — شعثاً، سُمراً، قُبْراً — لو أقسموا على الله لأبرهم في التوِّ وفي الحال.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *