إيهاب مادبو…يكتب

 

طوال الأشهر الماضية تابعت أداء الملف الإعلامي داخل تحالف “تأسيس” باهتمام، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن أي مشروع سياسي جديد يحتاج إلى الوقت الكافي لترتيب مؤسساته وبناء أدواته وتطوير أدائه. وكان من الطبيعي أن تواجه التجربة في بداياتها بعض الصعوبات والتحديات، لا سيما في ظل الظروف المعقدة التي تعمل فيها.

 

غير أن ما برز خلال الفترة الأخيرة يستدعي وقفة تقييم هادئة ومسؤولة حول موقع الإعلام داخل المشروع، وحول مدى قدرته على مواكبة التحديات الكبيرة التي تواجه التحالف في هذه المرحلة.

 

ففي عالم اليوم لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو التعبير عن المواقف، بل أصبح أحد أهم أدوات الفعل السياسي وصناعة التأثير. فالصراعات الحديثة لا تُحسم في الميدان وحده، وإنما تُخاض أيضاً في فضاء السرديات والروايات، وفي القدرة على مخاطبة الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي بلغة واضحة ورسائل متماسكة.

 

ومن هذا المنطلق، فإن بناء جهاز إعلامي فاعل لا يرتبط بالأشخاص بقدر ما يرتبط بوجود رؤية مؤسسية واضحة، وآليات عمل احترافية، وقدرة على التخطيط والإنتاج والتنسيق وإدارة الرسائل السياسية بصورة منسجمة مع أهداف المشروع وتحدياته.

 

وقد شكّل المؤتمر الصحفي الذي نظمه وفد “تأسيس” في أديس أبابا، على هامش المشاركة في اجتماعات الآلية الخماسية، فرصة مهمة لتقديم رؤية التحالف أمام وسائل الإعلام والرأي العام. وكان بالإمكان أن يتحول إلى محطة بارزة للتعريف بموقف التحالف وأولوياته السياسية، خاصة في ظل الاهتمام الذي حظيت به المناسبة من عدد من المؤسسات الإعلامية.

 

إلا أن التجربة كشفت، في تقديري، عن فجوة بين حجم الفرصة المتاحة ومستوى الأداء الإعلامي المصاحب لها. فقد بدا واضحاً أن هناك حاجة إلى مزيد من الإعداد والتنسيق، وإلى صياغة الرسائل الإعلامية بصورة أكثر وضوحاً وتركيزاً، بما يعكس حجم المشروع السياسي الذي يسعى التحالف إلى تقديمه.

 

ولا ينبغي النظر إلى هذه الملاحظات باعتبارها انتقاداً لأفراد بعينهم، بقدر ما هي جزء من عملية التقييم الضرورية لأي تجربة سياسية ناشئة. فنجاح المؤسسات لا يقاس بخلوها من الأخطاء، وإنما بقدرتها على مراجعة أدائها واستخلاص الدروس والاستفادة من التجارب من أجل التطوير المستمر.

 

وربما تكمن القضية الأهم في السؤال المتعلق بكيفية بناء المؤسسات داخل المشاريع السياسية الجديدة. فالتحدي الحقيقي لا يقتصر على تغيير الشعارات أو إنتاج خطاب مختلف، وإنما يمتد إلى ترسيخ ثقافة مؤسسية تجعل الكفاءة والخبرة والقدرة على الإنجاز معايير حاكمة في إدارة الملفات المختلفة.

 

ذلك أن مصداقية أي مشروع سياسي جديد لا تُبنى على قوة شعاراته أو جاذبية خطابه فحسب، وإنما على قدرته على ترجمة المبادئ التي يرفعها إلى ممارسات فعلية داخل مؤسساته وهياكله التنظيمية. فالقيم التي تُطرح بوصفها أساساً للتغيير ينبغي أن تنعكس أولاً في آليات اتخاذ القرار، ومعايير الاختيار، وطريقة إدارة الملفات المختلفة.

 

إن الإعلام بالنسبة لتحالف “تأسيس” ليس ملفاً ثانوياً يمكن تأجيله أو التعامل معه باعتباره مجرد أداة مساندة، بل هو جزء أصيل من المشروع السياسي نفسه. فنجاح أي رؤية سياسية في الوصول إلى المجتمع وكسب الثقة العامة يعتمد، إلى حد كبير، على كفاءة المنظومة الإعلامية التي تحمل هذه الرؤية وتنقلها إلى الفضاء العام.

 

ومن هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى مراجعة موضوعية لأداء هذا الملف، وإلى التفكير في سبل تطويره وتعزيز طابعه المؤسسي والاستفادة من الخبرات المتاحة، بما ينسجم مع الطموحات التي يحملها المشروع والتحديات التي يواجهها.

 

فالمشاريع الجديدة لاتختبر فقط بقدرتها على نقد الماضي، وإنما أيضاً بقدرتها على بناء ممارسات مختلفة في الحاضر. وكلما نجحت في ترسيخ قيم المهنية والمؤسسية والشفافية داخل هياكلها، ازدادت قدرتها على إقناع الآخرين بأنها تمثل بالفعل خطوة جادة نحو مستقبل مختلف.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *