عبدالعزيز بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان …يكتب

في يوم من الأيام سيجلس أطفال السودان الذين كتب لهم النجاة من هذه المأساة ويسألون آباءهم وأمهاتهم سؤالا بسيطا لكنه موجع

لماذا حدث كل هذا؟

لماذا دمرت المدن؟

لماذا فقدنا بيوتنا؟

لماذا كبرنا في معسكرات النزوح واللجوء؟

لماذا انقطعت مدارسنا وضاعت سنوات عمرنا؟

ولماذا مات كل هؤلاء الناس؟

عندها لن تكون الشعارات قادرة على الإجابة ولن تنفع خطابات التحريض ولا بيانات الحرب ولن تستطيع البنادق أن تشرح للأجيال القادمة لماذا تحولت بلاد كانت تتسع للجميع إلى ساحة مفتوحة للموت والخوف والخراب

إن أكبر مأساة في الحروب ليست فقط عدد القتلى ولا حجم الدمار وإنما أنها تسرق من الإنسان إنسانيته ومن الوطن روحه ومن المستقبل فرصته في الحياة

ومن حق الشعب السوداني أن يسأل اليوم وبصوت عال

ماذا حققت هذه الحرب للسودان؟

هل أعادت نازحا إلى منزله؟

هل فتحت مدرسة أغلقت أبوابها؟

هل بنت مستشفى لعلاج المرضى؟

هل أعادت طفلا فقد أسرته؟

هل أطعمت جائعا أو آوت مشردا أو صنعت أملا لشاب يبحث عن مستقبل كريم؟

الحقيقة المؤلمة أن الحرب لم تقدم للسودانيين سوى المزيد من الأحزان

مدن مدمرة أسر مشردة ومشتتة

أطفال محرومون من التعليم

مرضى بلا علاج ملايين النازحين واللاجئين

وأجيال كاملة تدفع ثمن قرارات لم تكن طرفا فيها

لقد أصبح الموت خبرا يوميا حتى كاد الناس يعتادونه وكأن حياة الإنسان السوداني فقدت قيمتها في سوق السياسة والصراع

لكن الحقيقة التي يجب أن تبقى حية في الضمير الوطني هي أن كل إنسان يقتل في هذه الحرب هو خسارة للوطن كله

وكل أم تبكي ابنها هي جرح في قلب السودان

وكل طفل ينام جائعا أو خائفا هو شهادة إدانة أخلاقية لكل من ساهم في استمرار هذه المأساة

إن الذين يروجون للحرب يحاولون دائما إقناع الناس بأنها طريق للخلاص بينما تثبت التجارب الإنسانية في كل زمان ومكان أن الحرب لا تترك خلفها إلا الخراب

فالدول لا تبنى بالبندقية وإنما تبنى بالعلم والعمل والإنتاج والعدالة

والأوطان لا تحميها كثرة السلاح وإنما يحميها اتفاق أبنائها على قيم المواطنة والسلام والتعايش والاحترام المتبادل

ولو كانت الحروب طريقا للتقدم لكانت أكثر الدول المسلحة هي أكثر الدول ازدهارا

لكن التاريخ يعلمنا العكس تماما

فكل الأمم التي نهضت فعلت ذلك عندما وضعت السلاح جانبا وفتحت أبواب التنمية والتعليم والاستثمار وبناء الإنسان

أما نحن فما زلنا ندور في الحلقة نفسها

كلما اشتعلت أزمة رفع البعض صوت البندقية بدلا من صوت العقل

وكلما ظهرت فرصة للسلام خرج من يستثمر في استمرار الحرب

وهنا يبرز السؤال الذي يخشاه تجار الحروب دائما

من المستفيد الحقيقي من استمرار القتال؟

هل هو المواطن الذي فقد منزله؟

أم المزارع الذي ترك أرضه؟

أم الطالب الذي توقفت دراسته؟

أم الأم التي تنتظر عودة ابنها من المجهول؟

لا أحد من هؤلاء يستفيد

الذي يستفيد هو من تحولت الحرب بالنسبة له إلى مشروع نفوذ أو سلطة أو مكسب سياسي أو اقتصادي بينما يدفع عامة الناس الثمن من أرواحهم ومستقبل أبنائهم

ومن المؤلم أن يصبح الداعي إلى السلام محل شك واتهام بينما الشخص الذي يجد خطاب الكراهية والتحريض من يصفق له

وكأن الدعوة إلى وقف نزيف الدم أصبحت جريمة

وكأن المطالبة بحماية المدنيين أصبحت موقفا يستوجب التبرير

مع أن السلام ليس ضعفا

والرحمة ليست خيانة

والحرص على حياة الناس ليس انحيازا لطرف ضد آخر

بل هو أعلى درجات المسؤولية الوطنية والأخلاقية والإنسانية

إن التاريخ لا يخلد عدد البنادق التي حملها الناس بل يخلد الذين أوقفوا الحروب وأنقذوا الأرواح وحموا أوطانهم من الانهيار

والأجيال القادمة لن تسأل من كان أكثر قدرة على القتال بل ستسأل من كان أكثر شجاعة في إيقافه

ولهذا فإن الواجب الأخلاقي والوطني اليوم يقتضي الوقوف بوضوح ضد الحرب وضد كل خطاب يحرض عليها أو يبرر استمرارها

فالدم السوداني ليس وقودا لمعارك السلطة

وأرواح الأبرياء ليست أرقاما في نشرات الأخبار

ومعاناة الملايين ليست تفصيلا هامشيا يمكن تجاوزه

إن السودان يستحق مستقبلا أفضل من هذا

ويستحق أن يعيش أبناؤه في وطن آمن ومستقر

وأن تفتح المدارس أبوابها بدلا من المتاريس

وأن ترتفع أصوات المعلمين والأطباء والمهندسين والمزارعين بدلا من أصوات المدافع

وأن تتحول الموارد التي تستهلكها الحرب إلى مشاريع تنمية وإعمار وخدمات وفرص حياة كريمة

كفاية موت كفاية نزوح ولجوء

كفاية يتم وترمل وتشريد

كفاية ضياع لأعمار الشباب والأطفال

لقد آن الأوان لأن يدرك الجميع أن الحرب ليست قدرا محتوما وأن السلام ليس حلما مستحيلا

وأن الوطن الذي نحلم به لن يولد من فوهة بندقية بل من إرادة شعب يؤمن بأن الحياة أقوى من الموت وأن البناء أنبل من الهدم وأن الإنسان أغلى من كل المصالح والصراعات

هذا المقال ليس دفاعا عن طرف ولا هجوما على طرف

إنه موقف أخلاقي وإنساني في مواجهة الحرب

وشهادة للتاريخ

حتى لا يقال غدا إن الجميع صمتوا بينما كان الوطن ينزف

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

18 /يونيو /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *