اما حكاية ! إيهاب مادبو..يكتب أُسدل الستار اليوم على امتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرة حكومة السلام، بعد أن جلس لها أكثر من تسعة آلاف طالب وطالبة، في واحدة من أكثر التجارب التعليمية استثنائية في تاريخ السودان الحديث، إذ لم تكن هذه الامتحانات مجرد استحقاق أكاديمي عادي، بل كانت معركة إرادة وصمود خاضها الطلاب وأسرهم والمؤسسات التي آمنت بحق الإنسان في التعليم رغم أجواء الحرب والدمار. ومنذ اللحظة الأولى، بدا تنظيم الامتحانات تحدياً كبيراً أمام حكومة السلام، فالمهمة لم تكن تقتصر على إعداد المراكز وتوفير الكوادر وتأمين أوراق الامتحانات، وإنما كانت مواجهة مشروع كامل سعى إلى حرمان آلاف الطلاب من حقهم الطبيعي في مستقبل أفضل. ثلاثة أعوام من الحرب والانقطاع والتشريد حاولت”عصابة بورتسودان” أن تفرض على أبناء الهامش واقعاً قاسياً، وأن تجعل منهم ضحايا دائمين للصراع السياسي والعسكري. لكن حكومة السلام اختارت طريقاً مختلفاً. اختارت أن تنتصر للحياة في مواجهة الموت، وللعلم في مواجهة الجهل، والتحدي في مواجهة اليأس، لذلك جاء قرار تنظيم الامتحانات بوصفه رسالة سياسية وأخلاقية وإنسانية في آنٍ واحد، مفادها أن أبناء هذه المناطق ليسوا مواطنين من الدرجة الثانية، وأن حقهم في التعليم لا يمكن أن يكون رهينة للحرب أو للمواقف السياسية. ولم يكن النجاح ممكناً لولا التضحيات الكبيرة التي قدمتها الأسر. فقد تحمل الآباء والأمهات أعباءً فوق طاقتهم من أجل أن يواصل أبناؤهم الدراسة والاستعداد للامتحانات. في القرى والمدن ومعسكرات النزوح ومناطق النزاع، ظل حلم الشهادة السودانية حاضراً رغم الخوف والجوع وعدم الاستقرار. كما واجهت الامتحانات تحديات أمنية كبيرة، في ظل ظروف الحرب التي ألقت بظلالها على مختلف جوانب الحياة. ومع ذلك، تمكن الطلاب من الجلوس لامتحاناتهم وإكمالها حتى النهاية، في مشهد جسّد معنى الصمود والإصرار على انتزاع الحق في التعليم مهما كانت العقبات. إن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تكمن فقط في عدد الطلاب الذين أدوا الامتحانات، بل في الرسالة التي حملتها، فقد أثبتت أن الشعوب التي تؤمن بحقها في الحياة قادرة على تجاوز أصعب الظروف، وأن التعليم يمكن أن يتحول إلى فعل مقاومة في وجه محاولات التهميش والإقصاء. اليوم، وبعد انتهاء الامتحانات، لا يمكن النظر إلى ما حدث باعتباره مجرد إنجاز إداري أو تعليمي، بل بوصفه انتصاراً لإرادة الناس العاديين الذين رفضوا الاستسلام لواقع الحرب. انتصار للطلاب الذين تمسكوا بأحلامهم، وللأسر التي آمنت بأبنائها، ولكل من ساهم في جعل هذه التجربة ممكنة. لقد نجحت حكومة السلام في إنجاز ما اعتبره كثيرون مستحيلاً، وأثبتت أن بناء المستقبل يبدأ من مقاعد الدراسة حتى في أحلك الظروف، وبينما ينتظر آلاف الطلاب نتائج جهودهم، يبقى الإنجاز الأكبر هو أن إرادة الحياة انتصرت، وأن رسالة التعليم وصلت واضحة “لاحرب تستطيع أن تهزم شعباً يصر على التعلم، ولا قوة تستطيع أن تنتزع من الشباب حقهم في الحلم بمستقبل أفضل” و:بشِّر الممتحنين”، فإن ما صنعوه خلال هذه الأشهر لم يكن مجرد امتحان، بل درسٌ كامل في الصبر والثبات والانتصار على المستحيل. شارك تصفّح المقالات الحركة السلامية من السقوط المدوي في ديسمبر إلى الإمساك بخيوط الحرب