عبدالعزيز بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان …يكتب

 

السيادة ليست شعارا سياسيا يرفع في المناسبات ولا عبارة تزين الخطب الرسمية وإنما هي جوهر وجود الدولة وأساس شرعيتها أمام شعبها وأمام المجتمع الدولي فالدولة التي لا تستطيع حماية أرضها وحدودها ومجالها الجوي ومياهها الإقليمية ومواطنيها ومواردها الاقتصادية تفقد أهم وظائفها الدستورية والقانونية والأخلاقية

 

ومنذ نشأة الدولة الحديثة استقر القانون الدولي على أن لكل دولة حقا أصيلا في السيادة الكاملة على إقليمها البري والجوي والبحري وعلى مواردها الطبيعية وعلى أمن مواطنيها وسلامتهم وأن أي اعتداء خارجي على هذه العناصر يمثل انتهاكا خطيرا للقانون الدولي ولمبادئ الأمم المتحدة وللأعراف الدولية المستقرة منذ عقود طويلة

 

وفي أي حالة تتعرض فيها الأراضي السودانية لقصف أو هجوم عسكري خارجي من مصر يستهدف مدنيين أو منشآت اقتصادية داخل حدود السودان فإن القضية لا تتعلق بخسائر مادية أو بشرية فقط وإنما تتعلق بمبدأ السيادة نفسه وبحق الدولة السودانية في حماية أراضيها ومواطنيها ومواردها الوطنية

 

إن تغيير الأسماء الي جنقو الدهب وتغير اسم السودان إلى شمال لا يغير الحقائق فالمواطن السوداني يظل مواطنا سودانيا مهما كانت مهنته أو منطقته أو صفته الاجتماعية والمنشآت الاقتصادية داخل السودان تظل منشآت سودانية تخضع للسيادة السودانية الكاملة ولا يجوز لأي طرف خارجي استهدافها أو الاعتداء عليها خارج إطار القانون الدولي

 

لقد نص ميثاق الأمم المتحدة في المادة 2 الفقرة 4 بصورة واضحة وصريحة على أن يمتنع جميع الأعضاء في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة

 

وتعد هذه المادة من أهم القواعد الآمرة في القانون الدولي المعاصر لأنها تحظر استخدام القوة العسكرية ضد الدول ذات السيادة وتحظر الاعتداء على أراضيها أو منشآتها أو مواردها خارج الحالات التي يجيزها القانون الدولي

 

كما أكدت المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة أن ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول فرادى أو جماعات في الدفاع عن أنفسها إذا وقع هجوم مسلح عليها إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين

 

ويعني ذلك قانونيا أن أي دولة تتعرض لاعتداء مسلح على أراضيها أو مواطنيها أو منشآتها الاقتصادية تمتلك حقا أصيلا ومشروعا في اتخاذ الإجراءات الدفاعية اللازمة لحماية سيادتها وفقا لأحكام القانون الدولي

 

كما تؤكد مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية بين الدول الصادرة بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2625 لسنة 1970 أن لكل دولة الحق في احترام سلامتها الإقليمية واستقلالها السياسي وأنه لا يجوز لأي دولة استخدام القوة أو التهديد بها ضد دولة أخرى

 

وفي الإطار الإفريقي أكد القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي في المادة 4 على احترام سيادة الدول الأعضاء وسلامتها الإقليمية وعدم جواز المساس بحدودها أو التدخل في شؤونها الداخلية بالقوة العسكرية

 

أما من الناحية الجنائية الدولية فإن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لسنة 1998 نص في المادة 8 على أن توجيه الهجمات عمدا ضد السكان المدنيين الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية يعد جريمة حرب كما اعتبر تعمد مهاجمة الأعيان المدنية والمنشآت المدنية التي لا تشكل أهدافا عسكرية مشروعة من الجرائم التي تستوجب المساءلة القانونية

 

كما نصت المادة 8 مكرر من نظام روما الأساسي على جريمة العدوان والتي تشمل تخطيط أو إعداد أو تنفيذ عمل عدواني يشكل انتهاكا واضحا لميثاق الأمم المتحدة من خلال استخدام القوة المسلحة ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي

 

وتؤكد اتفاقيات جنيف الأربع لسنة 1949 والبروتوكولان الإضافيان لعام 1977 مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين وضرورة حماية المدنيين والأعيان المدنية من الهجمات العسكرية وتحريم الأعمال التي تؤدي إلى خسائر غير متناسبة في الأرواح أو الممتلكات المدنية

 

وعندما يستهدف أي هجوم منشآت اقتصادية مدنية داخل دولة ذات سيادة فإن الضرر لا يقتصر على المباني أو المعدات بل يمتد إلى الأمن الاقتصادي والاجتماعي لملايين المواطنين لأن الاقتصاد الوطني يمثل أحد مقومات بقاء الدولة واستقرار المجتمع

 

إن استهداف الموارد الاقتصادية الوطنية لا يقل خطورة عن استهداف البشر لأن الاقتصاد هو شريان الحياة الذي يوفر الغذاء والدواء والتعليم والخدمات وفرص العمل وعندما تضرب الموارد الاقتصادية فإن آثار ذلك تمتد إلى ملايين الأسر التي تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على تلك الموارد في حياتها اليومية

 

ومن هنا فإن مسؤولية الدولة السودانية ليست خيارا سياسيا وإنما واجب دستوري وقانوني وأخلاقي يفرض عليها اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية أراضيها ومواطنيها ومواردها الوطنية وتوثيق أي انتهاكات محتملة ورفعها إلى المؤسسات الدولية والإقليمية المختصة وفي مقدمتها مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس السلم والأمن الإفريقي والمحاكم والآليات القانونية ذات الصلة

 

كما أن الصمت على أي انتهاك للسيادة الوطنية لا يوقف الانتهاكات بل قد يشجع على تكرارها لأن العلاقات الدولية لا تدار بالعواطف وإنما تحكمها موازين المصالح والقانون والقدرة على حماية الحقوق الوطنية والدفاع عنها بالوسائل المشروعة

 

إن السيادة لا تتجزأ ولا تقبل المساومة ولا تسقط بالتقادم والدولة التي تتهاون في حماية حدودها اليوم قد تجد نفسها غدا أمام اعتداءات أكبر وأكثر خطورة ولذلك فإن حماية الأرض والمجال الجوي والمياه الإقليمية والثروات الوطنية والمواطنين ليست مجرد مهمة حكومية بل هي جوهر فكرة الدولة نفسها وأساس العقد السياسي الذي يمنحها الشرعية والوجود

 

إن احترام سيادة السودان واحترام حياة المدنيين واحترام موارده الوطنية ليس منحة من أحد بل حق أصيل تكفله المواثيق الدولية والقوانين والأعراف المستقرة وتؤكد عليه مبادئ العدالة والقانون وحقوق الإنسان في كل مكان

 

فالأوطان لا تحفظ بالشعارات ولا تصان بالصمت ولا تحمى بتغيير المسميات وإنما تحفظ بالإرادة السياسية وبسيادة القانون وبالتمسك الكامل بحقوق الدولة وحقوق مواطنيها ومواردها الوطنية لأن هيبة الدولة تبدأ من قدرتها على حماية أرضها وتنتهي عند حدود عجزها عن الدفاع عن سيادتها

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

١٩/يونيو /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *