عمار نجم الدين..يكتب تتجاوز أحداث منجم شمال الوادي سياقها الراهن بوصفها “حادثة معزولة”، لتكشف عن انهيار مريع في بنية السيادة الوطنية وتناقضات هيكلية تحكم علاقة السلطة برأس المال البشري المتمثل في طيف واسع من الشباب السودانيين. هؤلاء الذين ألقت بهم معدلات البطالة وغياب البدائل التنموية في أتون الاقتصاد الهامشي والتعدين الأهلي، ليجدوا أنفسهم ليس فقط في مواجهة إكراه داخلي، بل أمام آلة حرب إقليمية غاشمة. إنها مواجهة بنيوية ممتدة بين سعي الهامش للبقاء، وتكالب مراكز النفوذ الخارجي على امتصاص الموارد بالحديد والنار. تأسست البنية التنافسية في المنطقة على استقطاب حاد؛ ففي كفة تقف شركات وافدة مدعومة بتواطؤ صامت أو عقود فوقية، وفي الكفة الأخرى يقف “الجنقو” بأدواتهم البدائية. ولم تكن المغادرة التاريخية للشركة المصرية المفترضة إلى جبل العيقاد، بعد مواجهات دموية أسفرت عن مقتل سبعة شباب في شهر رمضان، إلا تمهيداً لنهج العنف لتثبيت المصالح الاقتصادية. هذا العنف تحول لاحقاً إلى أدوات جباية وإكراه هيكلي قاومه المعدنون، انطلاقاً من وعيهم بأن القيمة الحقيقية للإنتاج تنبع من عرقهم المحض، لا من صفقات غرف الامتياز المغلقة. لم يكن دوي الانفجارات الأخير في المنجم مجرد ديناميت لتفتيت الصخور، بل كان تجلياً مكثفاً لعنف بنيوي أخذ شكل قصف جوي مباغت، تمهيداً لنيران أشد وطأة، إذ أفادت أحدث التقارير بتوغل قوات مشاة ومدرعات مصرية داخل الأراضي السودانية، بعمق تجاوز العشرين كيلومتراً في منطقة شمال الوادي، وسط أنباء مؤكدة عن سقوط عشرات القتلى من المدنيين العزل. هذا الاجتياح العسكري السافر، الذي تسبب في حالة من الذعر وتشتت المعدنين في وعورة الصحراء، يضعنا أمام حقيقة مجردة نحن لسنا أمام صراع أهلي على مورد، بل أمام احتلال عسكري صريح لمناطق التعدين بغطاء استثماري. وهنا يبرز السؤال الملح أين حكومة بورسودان وكرامتها التي تدعيها؟ أم أن كرامتها لا تُستعرض إلا في مواجهة السودانيين، بينما تقف عاجزة صاغرة أمام “الجيش المصري” لدرجة العجز حتى عن إصدار بيان إدانة واحد يحفظ ماء الوجه، وكأن هذا الغزو قد “كسر عينها” وجردها من أدنى مقومات السيادة؟ إن القراءة البنيوية للمشهد تؤكد أن هذا التوغل العسكري المدرع ليس مجرد تفلت أمني، بل هو إعادة صياغة خشنة لملكية الأرض والمورد لصالح آلة رأسمالية-عسكرية، تسعى لإخلاء المنجم من قاطنيه الحقيقيين والسير بمجنزراتها فوق جثث الكادحين. إن استخدام المدرعات لفرض السيطرة الميدانية يهدف إلى تجريد “الجنقو” من وسيلة عيشهم الوحيدة، في ظل صمت مريب يكشف عن بنية دولة لا تجيد استعراض قوتها إلا في قمع مواطنيها، بينما تتفرج بسخرية باردة على حدودها تُنتهك وثرواتها تُنهب علناً. إن دماء العشرات من هؤلاء العمال تضع مصداقية أسطورة “السيادة الوطنية التي يدعيها نظام بورسودان ” على المحك، فلا يمكن تغليف هذا الغزو المباشر بأي مبررات أمنية أو تجارية. إننا أمام مقايضة دموية يكون فيها جسد المواطن السوداني هو ثمن برميل الوقود أو سبيكة الذهب. المجد للسلام، والرحمة للضحايا، والشفاء العاجل للمصابين، والعودة الآمنة للمفقودين. شارك تصفّح المقالات فهد الرشيدى (صوت الحق الذى نعرفه)