آدم الحاج أديب…يكتب ]رؤية السودان الجديد بين إرث الماضي وآفاق المستقبل[ منذ استقلال السودان عام 1956 ظل سؤال الدولة الوطنية معلقاً بين مشروعين كبيرين: مشروع الدولة المركزية التي ورثت مؤسسات الحكم وآليات إدارة السلطة من المراحل السابقة، ومشروع الدولة القائمة على الاعتراف بالتنوع الثقافي والإثني والديني بوصفه أساساً لبناء وطن يسع الجميع. وبين هذين المشروعين تشكلت معظم أزمات السودان السياسية، وتعاقبت الحروب والصراعات التي انتهت بانفصال جنوب السودان عام 2011، ثم عادت بصورة أكثر تعقيداً بعد حرب 15 أبريل 2023م. عندما طرح الراحل جون قرنق دي مبيور مشروع “السودان الجديد”، لم يكن يقدم مجرد برنامج سياسي للحركة الشعبية، بل كان يطرح رؤية لإعادة تأسيس الدولة السودانية على أساس المواطنة المتساوية، وإزالة الامتيازات التاريخية التي كرستها بنية السلطة المركزية. كان المشروع في جوهره دعوة لوحدة جديدة تقوم على العدالة والمشاركة، لا على الهيمنة والإقصاء. غير أن الظروف السياسية والعسكرية، إلى جانب مقاومة النخب التقليدية لمشروع التغيير، دفعت السودان إلى طريق مختلف انتهى بانفصال الجنوب بدلاً من إعادة بناء الدولة على الأسس التي نادى بها قرنق. اليوم، وبعد أكثر من عقد على الانفصال، تعود بعض الأفكار ذاتها إلى الساحة السياسية عبر مشروع حكومة الوحدة والسلام “تأسيس”، الذي يرفع شعارات الدولة المدنية والمواطنة المتساوية ووحدة السودان على أسس جديدة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمثل هذا المشروع امتداداً عملياً لفكرة السودان الجديد، أم أنه محاولة مختلفة لمعالجة فشل الدولة القديمة؟ الواقع أن هناك قواسم مشتركة بين المشروعين، أبرزها السعي إلى إنهاء الاحتكار التاريخي للسلطة والثروة، وإقامة دولة تستوعب التنوع السوداني بمختلف مكوناته. لكن الاختلاف الأساسي يكمن في السياق التاريخي. فمشروع قرنق ظهر في ظل حرب بين المركز والجنوب، بينما يظهر مشروع “تأسيس” في ظل انهيار واسع لمؤسسات الدولة نتيجة الحرب الأخيرة، الأمر الذي يجعل التحديات أكثر تعقيداً وأشد خطورة. إذا أردنا تحليل إرادة النخب الحاملة للمشروعين في معالجة نتوءات الأزمة السودانية، فإن المقارنة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الخطاب السياسي، بل يجب أن تمتد إلى اختبار القدرة على تحويل الأفكار إلى واقع عملي. فمن أبرز الانتقادات التي وُجهت لمشروعات التغيير في السودان أنها كثيراً ما ظلت حبيسة الأدبيات والشعارات دون أن تنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين. لكن ما يلفت الانتباه في تجربة “تأسيس” أنها سعت إلى التواصل المباشر مع المكونات الاجتماعية المختلفة، ومخاطبة المجتمعات المحلية بخطاب يدعو إلى تجاوز الكراهية والاستقطاب الإثني والجهوي الذي غذته سنوات الحرب. كما اتخذت خطوات سياسية وقانونية تستهدف الحد من التحريض وخطاب الكراهية وتعزيز التعايش المجتمعي. وفي المقابل يرى كثير من المراقبين أن الخطاب السائد داخل المركز ما زال أسيراً لاستقطابات الحرب وإفرازاتها، وأن لغة التعبئة السياسية والعسكرية لا تزال تطغى على متطلبات المصالحة الوطنية وإعادة بناء الثقة بين السودانيين. كما أن معيار نجاح أي مشروع سياسي لا يقاس فقط بقدرته على كسب التأييد السياسي أو العسكري، وإنما بقدرته على تقديم الخدمات العامة وفرض سلطة الإدارة المدنية وتلبية احتياجات المواطنين. وفي هذا السياق سعت سلطات “تأسيس” إلى تقديم نفسها باعتبارها مشروع حكم لا مجرد مشروع معارضة، من خلال الاهتمام بقطاعات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية، والعمل على تنظيم العملية التعليمية وإجراء امتحانات الشهادة السودانية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، في رسالة سياسية مفادها أن شرعية السلطة لا تُبنى بالسلاح وحده، بل بقدرتها على إدارة حياة الناس وتوفير احتياجاتهم الأساسية. غير أن نجاح أي تجربة من هذا النوع سيظل مرهوناً بقدرتها على تحقيق الأمن والاستقرار وحماية الحقوق والحريات وضمان المساواة بين المواطنين، لأن تقديم الخدمات يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده لبناء دولة مستدامة ما لم يصاحبه مشروع وطني جامع يعالج جذور الأزمة التاريخية ويؤسس لعقد اجتماعي جديد. لقد أفرزت حرب 15 أبريل 2023م واقعاً مختلفاً عن كل ما عرفه السودان من قبل. فقد تراجعت هيبة الدولة المركزية، وبرزت الهويات المحلية والإقليمية بصورة غير مسبوقة، وتصاعد خطاب الكراهية والتصنيف العرقي والجهوي، في وقت ازدادت فيه قناعة قطاعات واسعة من السودانيين بأن العودة إلى نموذج الدولة القديمة لم تعد خياراً قابلاً للحياة. وفي المقابل، يقدم التاريخ نماذج مهمة لشعوب استطاعت تجاوز انقساماتها العميقة. فقد نجحت جنوب أفريقيا في الانتقال من نظام الفصل العنصري إلى دولة المواطنة، وتمكنت رواندا من إعادة بناء مؤسساتها الوطنية بعد واحدة من أبشع المآسي الإنسانية في العصر الحديث. غير أن نجاح تلك التجارب لم يكن نتيجة الشعارات وحدها، بل نتيجة وجود إرادة سياسية حقيقية وعقد اجتماعي جديد ومؤسسات قادرة على حماية هذا التحول. وتبقى العقبة الأكبر أمام أي مشروع وطني سوداني في تضارب المصالح الإقليمية والدولية. فالسودان ظل بحكم موقعه الجغرافي وموارده الطبيعية ساحة لتنافس المشاريع الخارجية، الأمر الذي جعل كثيراً من الأزمات الداخلية تتداخل مع حسابات ومصالح تتجاوز الحدود الوطنية. ومع ذلك فإن مستقبل السودان لن تحدده الإرادات الخارجية وحدها، بل سيحدده قبل كل شيء مدى قدرة السودانيين أنفسهم على التوافق حول مشروع وطني جامع يضع المواطنة فوق الانتماءات الضيقة، ويحول التنوع من مصدر للصراع إلى مصدر للقوة. ولعل من أهم الدروس التي ينبغي أن يستحضرها السودانيون اليوم أن الأزمات الوطنية غير المعالجة لا تختفي بمرور الزمن، وإنما تتراكم حتى تتحول إلى وقائع سياسية يصعب التراجع عنها. فقد بدأ انفصال جنوب السودان في جوهره كتعبير عن أزمة وطنية فشلت النخب الحاكمة في معالجتها عبر مشروع جامع للمواطنة والعدالة والمشاركة المتساوية. واليوم، ومع تصاعد بعض الأصوات التي تطرح خيارات الانفصال أو تقرير المصير في أقاليم أخرى، يصبح الحفاظ على وحدة السودان مسؤولية وطنية تتطلب معالجة الأسباب التي تدفع المواطنين إلى الشعور بالتهميش والإقصاء، لا الاكتفاء برفض تلك الدعوات أو إدانتها سياسياً. فالوحدة الوطنية لا تُفرض بالقوة، وإنما تُبنى بالعدالة والثقة والشعور المشترك بالانتماء إلى وطن يوفر الحقوق والفرص لجميع أبنائه. وربما يكون أهم ما أفرزته حرب 15 أبريل 2023م أنها أعادت تعريف مفهوم الشرعية السياسية في السودان. فبعد عقود طويلة كانت فيها الشرعية تُستمد من السيطرة على المركز أو الاحتفاظ بمؤسسات الدولة التقليدية، برز معيار جديد يتمثل في قدرة أي سلطة على حماية المدنيين وتقديم الخدمات وإدارة التنوع وتحقيق قدر من الاستقرار في حياة المواطنين. ولهذا فإن مستقبل أي مشروع سياسي في السودان، سواء كان امتداداً لفكرة السودان الجديد أو معبراً عن مشروع “تأسيس”، لن يتوقف على قوة السلاح أو الاعتراف الخارجي وحدهما، بل على مدى نجاحه في الإجابة عن الأسئلة اليومية البسيطة للمواطن: هل أستطيع أن أتعلم؟ هل أستطيع أن أتلقى العلاج؟ هل أتمتع بالأمن والكرامة والمساواة أمام القانون؟ فالدول لا تنهار فقط عندما تخسر الحروب، بل عندما تفشل في تلبية احتياجات مواطنيها. كما أنها لا تستقر بمجرد الانتصار العسكري، وإنما عندما تنجح في بناء عقد اجتماعي يشعر فيه الجميع بأن الوطن ملك لهم جميعاً دون تمييز أو إقصاء. ومن هذه الزاوية قد لا يكون السؤال الحقيقي: من يحكم السودان؟ بل كيف يُحكم السودان؟ لأن أزمة البلاد عبر تاريخها لم تكن أزمة أشخاص بقدر ما كانت أزمة نموذج دولة ظل عاجزاً عن استيعاب تنوعها الهائل وتحويله إلى مصدر قوة ووحدة وطنية. إن السودان يقف اليوم على تخوم مرحلة تاريخية جديدة؛ مرحلة قد تفتح الباب أمام ميلاد دولة المواطنة التي حلم بها أجيال من السودانيين، وقد تعيد إنتاج أزمات الماضي بأشكال مختلفة. وبين هذين الاحتمالين تبقى المسؤولية الكبرى على عاتق السودانيين أنفسهم في صياغة مستقبل وطن يسع الجميع، وطن تُبنى وحدته على العدالة لا الغلبة، وعلى الشراكة لا الإقصاء، وعلى المواطنة لا الامتيازات التاريخية. شارك تصفّح المقالات سيادة الكرامة: البرهان يقتل السودانيين ويبلع لسانه أمام المدرعات المصرية