عبدالعزير بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان ..يكتب

بعد أكثر من ثلاثة أعوام من اندلاع هذه الحرب المدمرة لم يعد السؤال الذي يشغل ضمير السودانيين هو كيف بدأت الحرب أو من أطلق الرصاصة الأولى بل أصبح السؤال الأكثر خطورة وإلحاحا هو لماذا ما زالت الحرب مستمرة رغم كل هذا الخراب ورغم كل هذا الموت ورغم أن آثارها الكارثية أصبحت ظاهرة للعيان في كل مدينة وقرية وبيت وأسرة

لقد تغير وجه السودان بصورة لم يكن أكثر المتشائمين يتوقعها فقد تبدلت ملامح المدن وامتلأت الطرقات بقوافل النزوح وازدحمت دول الجوار بملايين اللاجئين وانقطعت مسارات التعليم وتراجعت الخدمات الصحية وانهارت مصادر الرزق وضاعت مدخرات الأسر وتبعثرت أحلام أجيال كاملة كانت تنتظر مستقبلا أفضل

ومع ذلك ما زالت آلة الحرب تدور بلا توقف وكأن هناك من يتولى رعايتها وتغذيتها وحمايتها من الانطفاء وكأن هناك مصالح ضخمة تخشى أن يسود السلام أكثر مما تخشى استمرار الموت

فالحروب لا تستمر بقوة السلاح وحده لأن البندقية مهما بلغت قوتها لا تستطيع أن تطيل عمر الصراع إذا لم تجد من يغذيها بالأموال والخطابات والمصالح والمبررات والحروب الطويلة لا تعيش على الذخيرة فقط وإنما تعيش أيضا على الخوف والكراهية والتضليل والمكاسب التي يحققها بعض المستفيدين من استمرار الفوضى

ولهذا فإن النظر إلى الحرب باعتبارها مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متقاتلة لم يعد كافيا لفهم ما يجري فالحرب مع مرور الوقت تتحول إلى منظومة متكاملة تنشأ حولها شبكات من المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية وتصبح لدى بعض الأطراف أسباب حقيقية تجعلها ترى في السلام تهديدا مباشرا لمصالحها ونفوذها ومكاسبها

وفي الوقت الذي يخسر فيه المواطن السوداني بيته وعمله وتعليمه وأمنه ومستقبل أطفاله هناك من يحقق الأرباح من تجارة السلاح ومن تهريب الموارد ومن اقتصاد الفوضى ومن انهيار مؤسسات الدولة ومن غياب الرقابة ومن اضطراب الأسواق ومن استنزاف الثروات الوطنية

إن المواطن البسيط الذي يستيقظ كل صباح على أخبار القصف والنزوح والجوع ليس هو المستفيد من استمرار الحرب والطفل الذي حرم من مدرسته ليس مستفيدا والأم التي فقدت أبناءها ليست مستفيدة والشباب الذين فقدوا فرصهم وأحلامهم ليسوا مستفيدين واللاجئون الذين افترشوا الأرض في المنافي ليسوا مستفيدين

المستفيد الحقيقي من الحرب هو كل من يرى في استمرار النزاع فرصة لتعظيم نفوذه أو ثروته أو سلطته بينما يدفع الشعب السوداني الثمن كاملا من دمه وكرامته ومستقبله

ولعل أخطر ما أنتجته هذه الحرب أنها لم تكتف بتدمير الحجر بل سعت إلى ضرب الروابط التي تجمع السودانيين ببعضهم البعض فقد انتشرت خطابات الكراهية والتحريض بصورة غير مسبوقة وأصبح الانتماء القبلي أو الجهوي عند البعض وسيلة للحكم على الناس وإدانتهم جماعيا وتحميلهم مسؤولية جرائم لم يرتكبوها وقرارات لم يشاركوا في صناعتها

وهنا تكمن واحدة من أخطر آليات استمرار الحرب لأن الحرب لا تحتاج فقط إلى السلاح بل تحتاج أيضا إلى عدو دائم وحين يعجز دعاة الحرب عن إيجاد العدو في ساحات القتال يحاولون صناعته داخل المجتمع نفسه فيحولون الجار إلى خصم والمواطن إلى مشروع عدو ويزرعون الشك بين أبناء الوطن الواحد حتى يصبح التعايش أمرا صعبا ويصبح السلام أكثر تعقيدا

غير أن الحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب عن الوعي الوطني هي أن الضحية لا قبيلة لها ولا جهة لها ولا لون سياسي لها فالدم السوداني واحد والألم السوداني واحد والمأساة السودانية واحدة

فالطفل الذي قتل في دارفور هو ابن لهذا الوطن تماما كما أن الطفل الذي قتل في الخرطوم أو الجزيرة أو كردفان أو النيل الأزرق هو ابن لهذا الوطن والمرأة التي شردتها الحرب في أي بقعة من السودان تحمل الوجع نفسه وتحلم بالأمان نفسه وتستحق الحياة نفسها

ومن أخطر ما تعتمد عليه الحروب الطويلة أيضا نشر اليأس في نفوس الناس وإقناعهم بأن السلام مستحيل وأن التفاوض ضعف وأن الحوار خيانة وأن الحل الوحيد هو المزيد من البنادق والمزيد من الدماء

لكن قراءة بسيطة لتاريخ البشرية تكشف أن هذا الادعاء لا يصمد أمام الحقائق فكل الحروب انتهت في نهاية المطاف إلى طاولة حوار وكل النزاعات الكبرى حسمت بالتسويات السياسية مهما طال زمن القتال ومهما ارتفعت أصوات دعاة الحسم العسكري

فالحرب قد تدمر لكنها لا تبني وقد تقتل لكنها لا تخلق مستقبلا وقد تفرض واقعا مؤقتا لكنها لا تستطيع صناعة استقرار دائم لأن الاستقرار الحقيقي يولد من العدالة والتوافق والاعتراف المتبادل لا من فوهات البنادق

لقد تحول السودان خلال هذه السنوات إلى ساحة تتقاطع فوقها حسابات ومصالح إقليمية ودولية متعددة وأصبح المواطن السوداني في كثير من الأحيان يدفع ثمن صراعات لا علاقة له بها ولا مصلحة له فيها بينما تتزاحم الأجندات الخارجية فوق أرضه وعلى حساب أمنه واستقراره ومستقبل أبنائه

ولهذا فإن استعادة القرار الوطني تصبح ضرورة وجودية وليست مجرد مطلب سياسي لأن مستقبل السودان يجب أن يصنعه السودانيون أنفسهم انطلاقا من مصالحهم الوطنية العليا ومن حقهم المشروع في الأمن والاستقرار والتنمية

كما أن حماية المدارس والمستشفيات والأسواق ومصادر المياه والبنية المدنية ليست قضية خدمية فحسب بل هي معركة من أجل بقاء الدولة نفسها لأن الدولة التي تنهار مؤسساتها الأساسية تصبح عاجزة عن حماية مواطنيها وعاجزة عن التعافي وعاجزة عن بناء مستقبل مستقر

إن وقف الحرب ليس مهمة السياسيين وحدهم وليس مسؤولية الوسطاء وحدهم وليس واجبا يقع على طرف دون آخر بل هو مسؤولية جماعية تبدأ من كل بيت ومن كل مدرسة ومن كل مسجد ومن كل منبر إعلامي ومن كل مواطن يرفض التحريض ويرفض الكراهية ويرفض تحويل الإنسان إلى هدف بسبب هويته أو انتمائه أو رأيه

وقد يظن البعض أن صوت المواطن البسيط لا يغير شيئا لكن الحقيقة أن الحروب الطويلة تستمد جزءا كبيرا من قوتها من صمت المجتمعات ومن استسلام الناس لفكرة أن لا شيء يمكن تغييره وحين يتمسك المجتمع بحقه في الحياة وبحقه في السلام وبحقه في المستقبل فإن قدرة الحرب على الاستمرار تبدأ في التراجع مهما بدت قوية ومهما امتلكت من أدوات

لقد دفع السودان ثمنا يفوق الاحتمال وخسر من الأرواح ما يكفي لإيقاظ الضمير الإنساني وخسر من موارده ما يكفي لإدراك حجم الكارثة وخسر من فرص التنمية والاستقرار ما يكفي لإقناع كل عاقل بأن استمرار هذه المأساة لا يمكن أن يكون خيارا وطنيا ولا أخلاقيا ولا إنسانيا

إن تفكيك آليات استمرار الحرب يبدأ بكشف المستفيدين منها ويبدأ بمواجهة خطاب الكراهية ويبدأ بحماية المدنيين وصون كرامتهم ويبدأ بإعلاء قيمة الإنسان فوق المصالح الضيقة ويبدأ بإعادة الاعتبار لفكرة الوطن باعتباره بيتا مشتركا لكل السودانيين لا غنيمة يتصارعون عليها

فالحرب ليست قدرا أبديا مكتوبا على هذا الشعب والسلام ليس حلما مستحيلا وإنما كلاهما نتاج قرارات بشرية يمكن تغييرها متى ما امتلك الناس الشجاعة الكافية للانحياز إلى الحياة بدل الموت وإلى العقل بدل الغضب وإلى الوطن بدل المصالح الضيقة

وسيأتي اليوم الذي تتوقف فيه المدافع وتعود فيه الحياة إلى الشوارع والأسواق والمدارس وتعود فيه القرى إلى أهلها وتعود المدن إلى نبضها الطبيعي لكن ذلك اليوم سيحمل معه سؤالا أخلاقيا ثقيلا سيبقى شاهدا على هذه المرحلة كلها

كم روحا كان يمكن إنقاذها لو انتصر صوت الحكمة قبل أن ينتصر صوت السلاح وكم طفلا كان يمكن أن يبقى في مدرسته وكم أسرة كان يمكن أن تبقى في بيتها وكم حلما كان يمكن أن يعيش لو أن الإنسانية انتصرت قبل أن تنتصر الحرب

ذلك السؤال سيبقى في ذاكرة السودان طويلا وسيبقى جوابه مسؤولية تاريخية وأخلاقية أمام الأجيال القادمة التي ستقرأ ما جرى وتسأل ماذا فعلنا حين كان الوطن ينزف

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

25 /يونيو /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *