عبدالعزيز بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان…يكتب

 

لم تعد المأساة السودانية تحتاج إلى كثير من الشرح فقد تجاوزت مرحلة الاختلاف السياسي والصراع العسكري وأصبحت أزمة وجود تهدد الدولة نفسها فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها وعن توفير الأمن والغذاء والدواء والتعليم وتترك ملايين الناس بين النزوح واللجوء والجوع والخوف لا تستطيع أن تقنع شعبها بأن ما يجري هو معركة من أجل الكرامة فالكرامة لا تقاس بالشعارات ولا بالخطب ولا بأصوات المدافع وإنما تقاس بقدرة الإنسان على أن يعيش آمنا في وطنه وأن يجد رغيف خبزه ودواءه ومدرسته ومستقبله أما حين يصبح المواطن مطاردا بالخوف والجوع والرصاص في كل مكان فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو أي كرامة بقيت بعد كل هذا الخراب

لقد سميت هذه الحرب بحرب الكرامة لكن الواقع الذي يعيشه السودانيون يقول شيئا مختلفا تماما فأين هي الكرامة في أم تبكي لأنها لا تجد حليبا لطفلها الرضيع وأين هي الكرامة في شيخ أنهكه المرض يقضي يومه كاملا أمام الصيدليات والمستشفيات ثم يعود خالي بدون علاج وأين هي الكرامة في طالب جامعي كان يحلم بأن يبني وطنه فإذا به يقف على قارعة الطريق يبحث عن لقمة عيش بعدما تحولت جامعته إلى أنقاض إن الكرامة ليست شعارا يرفع في المنابر ولا خطابا يلقى أمام الكاميرات وإنما هي حق الإنسان في الحياة الكريمة والكرامة الحقيقية هي أن يأمن المواطن في بيته وأن يجد قوت يومه وأن يطمئن إلى مستقبل أبنائه أما أن تتحول هذه الحقوق إلى أحلام بعيدة المنال فذلك ليس انتصارا للكرامة بل إهانة لها

لقد وصل السودان إلى مرحلة أصبح فيها الموت خبرا يوميا لا يثير الدهشة يموت الناس بالقذائف ويموتون بالجوع ويموتون بالأمراض التي كان يمكن علاجها لو بقيت المستشفيات تعمل ولو بقي الأطباء في أماكنهم ولو لم تتحول المرافق الصحية إلى ضحايا للحرب والانهيار يموت الأطفال بسبب سوء التغذية وتموت الأمهات أثناء الولادة ويموت كبار السن لأن الدواء أصبح سلعة نادرة لا يقدر عليها إلا القليل ولم يعد الخوف مرتبطا بخطوط القتال وحدها بل أصبح يسكن البيوت والأسواق والطرقات حتى صار الخروج بحثا عن رغيف الخبز أو جرعة دواء مخاطرة قد لا يعود صاحبها منها

والأخطر من كل ذلك أن هذا الواقع أصبح معروفا للجميع تعرفه السلطة وتعرفه الأطراف المتحاربة ويعرفه المجتمع الدولي ويعرفه كل سوداني يعيش داخل البلاد أو خارجها ومع ذلك تستمر الحرب وكأن حياة الملايين أصبحت تفصيلا صغيرا يمكن تجاوزه يستمر الخطاب نفسه وترفع الشعارات نفسها بينما يتسع الخراب كل يوم وتتراجع الدولة أكثر فأكثر عن القيام بأبسط واجباتها تجاه مواطنيها

ومن حق الشعب السوداني اليوم أن يسأل قيادته السياسية والعسكرية إلى أين يمضي هذا الوطن وما هو الأفق الذي تنتظرونه بعد كل هذا الدمار وكم من الوقت ينبغي أن يستمر هذا النزيف وكم من الأرواح ينبغي أن تزهق قبل أن يدرك الجميع أن الحرب لا تنتج إلا حربا أخرى لقد انهار الاقتصاد وتوقفت عجلة الإنتاج وفقدت العملة الوطنية قيمتها وارتفعت أسعار الغذاء والدواء بصورة غير مسبوقة بينما يدفع المواطن وحده فاتورة هذا الانهيار أما الخطابات التي تتحدث عن الانتصارات القادمة فلم تعد تقنع أم فقدت أبناءها و مزارعا فقد أرضه و شاب ضاع مستقبله و أسرة أصبحت تعيش تحت خيمة نزوح أو في معسكر لجوء

إن الحرب لا تستهلك الذخيرة فقط وإنما تستهلك مستقبل الأوطان فقد شرد ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها وتحولت حياة الملايين إلى انتظار دائم للمساعدات الإنسانية بينما خرجت أجيال كاملة من المدارس والجامعات وفقد الأطفال حقهم الطبيعي في التعليم وضاع مستقبل آلاف الشباب بين النزوح والبطالة واليأس وانتشرت الأمراض والأوبئة وسوء التغذية ليس لأنها قدر محتوم وإنما لأنها نتيجة مباشرة لانهيار الخدمات وتعطل مؤسسات الدولة واستمرار القتال

ولعل أخطر ما في هذه الحرب أنها لم تعد تهدد حاضر السودان وحده بل تهدد مستقبله أيضا فالأوطان لا تنهار فقط حين تهدم مبانيها وإنما تنهار حين يفقد شعبها ثقته في الغد وحين تصبح الهجرة حلما لكل شاب والنزوح قدرا لكل أسرة والخوف رفيقا لكل طفل وإذا استمر هذا المسار فإن السودان لن يخسر مدنه وقراه فحسب بل سيخسر أهم ثرواته وهي الإنسان السوداني نفسه

لقد أثبت التاريخ أن كل حرب تبحث عن شعار يمنحها الشرعية لكن الشعارات لا تطعم جائعا ولا تعالج مريضا ولا تعيد نازحا إلى منزله ولا تبني مدرسة ولا تعيد تشغيل مصنع ولا تزرع حقلا ولذلك فقد حان الوقت لمراجعة كل الشعارات على ضوء نتائجها الواقعية لا على ضوء الخطابات التي يرددها دعات الحرب فالوطن لا يبنى بالشعارات وإنما يبنى بالسلام وبالعدالة وبالمؤسسات القادرة على حماية الإنسان وصيانة كرامته

ويبقى الأمل معقودا على وعي الشعب السوداني لأنه وحده القادر على أن يقول إن الوطن أكبر من أي سلطة وأكبر من أي سلاح وأكبر من أي حرب وهذا الوعي يترجم بالتمسك بالوسائل السلمية ورفض خطاب الكراهية والدفاع عن حق السودانيين جميعا في دولة تقوم على الحرية والسلام والعدالة وسيادة القانون دولة يكون فيها الإنسان هو الغاية لا الوقود

وفي النهاية فإن التاريخ لن يتوقف طويلا عند أسماء المنتصرين في هذه الحرب لكنه سيتوقف كثيرا أمام حجم المأساة التي عاشها شعب كامل وسيسأل كل من امتلك قرارا أو تأثيرا لماذا ترك السودان ينزف كل هذا الوقت ولماذا أصبح الجوع والخوف والنزوح قدرا لملايين الأبرياء وهل كانت كل هذه التضحيات ضرورية حقا

إن السودان أكبر من كل الحروب وأبقى من كل السلطات وأعظم من كل الشعارات وسيظل السلام مهما طال الطريق إليه هو الانتصار الحقيقي لأن الأوطان لا تبنى بالرصاص وإنما تبنى بالعدالة ويحميها القانون ويصونها الإنسان

نواصل بمشيئة الله

 

26 يونيو 2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *