عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان …يكتب قد يختلف الناس في تشجيع المنتخبات وفي الوان الاعلام وفي اسماء اللاعبين لكنهم يجتمعون جميعا امام بطولة واحدة تحكمها قواعد واضحة يعرفها الجميع ويحترمها الجميع ويخضع لها الجميع العالم اليوم يحتفل بكاس العالم ملايين البشر يضحكون ويصفقون ويختلفون ثم يعودون اصدقاء لان المباراة مهما اشتدت تبقى مباراة ولان القانون فيها اقوى من غضب اللاعبين واعلى من رغبة المنتصر واكبر من غرور الخاسر هناك كتاب كامل من القوانين يحمي كل لاعب ويحفظ حق كل فريق ويعاقب كل من يعتدي ويوقف كل من يتجاوز ويمنح الجميع فرصة عادلة داخل الملعب اما نحن في السودان فقد وجدنا انفسنا داخل بطولة اخرى لا تنظمها الفيفا ولا يعرفها العالم بطولة اسمها كاس الدم حيث لا ملاعب فيها سوى المدن المدمرة ولا مدرجات فيها سوى مخيمات النزوح ولا جمهور فيها الا الامهات الثكالى والاباء المكلومون والاطفال الذين سرقت الحرب طفولتهم ولا كاس ينتظر الفائز في نهايتها سوى المزيد من المقابر والمزيد من الخراب والمزيد من الدموع في كرة القدم اذا لمس لاعب الكرة بيده يتوقف اللعب واذا تعمد ايذاء منافسه يعاقب واذا تجاوز القانون يطرد من المباراة لان اللعبة لا تستقيم الا بالقانون ولان الجميع يعلم ان احترام القواعد هو الذي يجعل المنافسة ممكنة ويجعل الانتصار ذا قيمة اما في حربنا فقد اصبح قتل المدنيين خبرا عاديا وقصف الاحياء امرا متكررا وتجويع الناس وسيلة من وسائل الصراع وتدمير المستشفيات والمدارس جزءا من المشهد اليومي حتى بدا وكان حياة الانسان السوداني اقل قيمة من كرة يتنافس عليها اثنان وعشرون لاعبا لمدة تسعين دقيقة العالم كله يحرس لعبة لا تتجاوز ساعة ونصف ونحن عجزنا عن حماية وطن يعيش فيه ملايين البشر الفيفا وضعت مئات المواد لتنظيم مباراة كرة قدم بينما ما زال كثير من دعاة الحرب يرفضون ابسط قواعد القانون الدولي الانساني الذي لا يطلب نصرا ولا هزيمة ولا انحيازا لطرف دون اخر بل يطلب فقط الا يقتل المدني والا يجوع الطفل والا يستهدف المريض والا تتحول المستشفيات والمدارس والاسواق الى ساحات للموت لكن حتى هذه المبادئ البسيطة اصبحت عند البعض عائقا امام استمرار الحرب لان القانون يقيد العنف بينما الحرب لا تزدهر الا عندما يغيب القانون ويصمت الضمير ثم يحدثون الناس كل يوم عن الانتصارات وكان المدن تفتح والبلاد تزدهر بينما الحقيقة ان الذي يفتح كل يوم هو ابواب المقابر وان الذي يتوسع هو رقعة النزوح وان الذي ينتصر هو الجوع والخوف والفقر المفارقة الاكثر مرارة ان الخبراء العسكريين يحدثوننا ساعات طويلة عن المسيرات والطائرات والرادارات واجهزة التشويش ومضادات الطيران لكن احدا منهم لم يحدثنا عن مضاد الدولار ولم يخبرنا كيف نوقف انهيار العملة وكيف نحمي رغيف الخبز وكيف ندافع عن الدواء وكيف ننقذ الاقتصاد الذي ينهار امام اعين الجميع المسيرة قد تدمر مبنى اما الدولار حين يهجم فانه يهدم حياة شعب كامل المسيرة قد تقتل في لحظة اما الاقتصاد المنهار فيقتل كل يوم بصمت يقتل الطفل الذي نام جائعا ويقتل المريض الذي عجز عن شراء الدواء ويقتل الطالب الذي ترك دراسته ويقتل الاب الذي لم يعد قادرا على اعالة اسرته ويقتل الام التي تخفي دموعها حتى لا يرى اطفالها عجزها عن توفير لقمة العيش هذه الضحايا لا تظهر في نشرات الاخبار ولا تلتقطها الكاميرات ولا تدخل ضمن بيانات العمليات العسكرية لكنها الحقيقة الاكثر قسوة لانها ضحايا يموتون ببطء بينما ينشغل الجميع بعد الارقام والشعارات ثم يخرج علينا اعلام الحرب كل يوم بشعارات جديدة بل فقط واستمروا والنصر قريب والحسم اقترب لكنهم لا يخبرون الناس ان فاتورة هذه الشعارات يدفعها المواطن وحده وان ثمنها رغيف اصبح حلما ودواء صار امتيازا وتعليما تحول الى ترف وكرامة انسانية تتلاشى يوما بعد يوم لقد اصبحت الحرب عند بعضهم عرضا يوميا يتابعونه كما يتابع الناس مباريات كرة القدم يتجادلون حول الرابح والخاسر ويتبادلون الهتافات بينما الخاسر الحقيقي هو السودان بكل ابنائه في كاس العالم يطلق الحكم صافرة النهاية فيعود اللاعبون الى اسرهم اما في كاس الدم السوداني فلا حكم ولا صافرة ولا نهاية للمباراة والخسائر تتضاعف كل يوم والمدرجات تحولت الى مخيمات نزوح والكؤوس تحولت الى اوعية فارغة تنتظر لقمة تسد رمق طفل او جرعة دواء تنقذ مريضا السودان لا يحتاج الى معلق يرفع الحماس ولا الى محلل يشرح خطط القتال ولا الى جمهور يصفق للموت بل يحتاج الى ضمير يعترف بان هذه المباراة خسرها الجميع وان استمرارها ليس بطولة بل كارثة انسانية ووطنية واخلاقية لقد آن الاوان ان يغلق السودانيون شاشة الدم وان يرفضوا تحويل الوطن الى ملعب دائم للموت وان يدركوا ان اعظم انتصار ليس السيطرة على مدينة ولا رفع علم فوق ركام بل ان يعود الطفل الى مدرسته والمزارع الى حقله والمريض الى مستشفاه والنازح الى منزله واللاجئ الى وطنه وان يعود السودان وطنا للحياة لا موسما دائما للحداد العالم يحتفل بكاس العالم لان الرياضة تعلم الناس كيف يتنافسون ثم يتصافحون اما نحن فما زلنا بحاجة الى ان نتعلم كيف نختلف دون ان نتقاتل وكيف ننتصر للانسان قبل ان ننتصر لاي طرف لقد اكتفى السودان من كؤوس الدم وحان الوقت لان يرفع كاسا واحدا فقط كاس السلام الذي لا يخسر فيه احد ولا يربح فيه الا الوطن والانسان والمستقبل نواصل بمشيئة الله بتاريخ 27 /يونيو /2026 شارك تصفّح المقالات جمعة نيويورك: أو يوم علقَّ “بولس” الجرسَ على رقبة القط؟!