آدم الحاج أديب …يكتب لم تعد الأزمة السودانية مجرد حرب بين طرفين، بل تحولت إلى معركة وجودية تتشابك فيها الحسابات الإقليمية، مما جعل مفهوم “الحياد” يواجه سقوطاً أخلاقياً وسياسياً مدوياً. فالوساطة لا تبنى على البيانات الدبلوماسية، بل على كفّ اليد عن انتهاك سيادة الدولة المستهدفة. وفي هذا السياق، يتجاوز الدور المصري مساحة التساؤل ليصل إلى مرحلة التناقض الصارخ الذي يجرد القاهرة من أهليتها كوسطاء. فكيف يمكن لدولة ما تزال تحتل أراضٍ سودانية في ملفات سيادية عالقة (حلايب وشلاتين وأبو رماد)، أن تزعم النزاهة؟ إن التجاوزات المصرية لحرمة السيادة السودانية امتدت لتطال الدم؛ فحادثة استهداف الطيران المصري للمعدنين السودانيين العُزّل داخل الأراضي السودانية هي جريمة مكتملة الأركان تتطلب تحركاً دولياً عاجلاً. وانتصاراً للعدالة وصوناً للكرامة الإنسانية، يقتضي الأمر فتح تحقيق دولي مستقل ومستعجل عبر الأمم المتحدة لتعرية هذا الانتهاك؛ فلا يمكن ليدٍ تورطت في دماء السودانيين أن تمتد لتكتب سلامهم. وتتجلى ذروة الانتهازية السياسية وازدواجية المعايير المصرية في “فصام مبدئي” فاضح؛ ففي الوقت الذي تصنف فيه القاهرة التيارات الإسلامية داخل حدودها كجماعات إرهابية مهددة للسلم والأمن وتخوض ضدها حرباً إقصائية، نجدها تمارس نفاقاً مكشوفاً بدعم واحتضان وجودهم السياسي في السودان وتغلغلهم في مفاصل الجيش. هذا التناقض يثبت أن محاربة التطرف ليست سوى أداة وظيفية تتبدل حسب المصالح الضيقة؛ يُحارب الإسلاميون في مصر ويُدعمون في السودان لضمان استمرار حرب بالوكالة. هذا الانحياز البنيوي يفرض ضرورة ملحة: يجب تجريد الدولة المصرية رسمياً من صفة الوسيط في كافة المحافل، بدءاً من جلسات مجلس الأمن الدولي، وصولاً إلى استبعادها من المجموعات الراعية لسلام السودان (كالرباعية والخماسية). فالوسيط الذي يتحول إلى طرف بانتهاكاته وازدواجيته، لا يمكن أن يكون جزءاً من الحل. أما ملف اللاجئين السودانيين، فقد تحول إلى أداة ابتزاز سياسي؛ ففي مقابل الأرقام المضخمة طلباً للدعم، توثق المنظمات الحقوقية تجاوزات صارخة تتعلق بالمعاملة المهينة والترحيل القسري الجماعي. وفي المقابل، لا يمكن قراءة الدور السعودي بمعزل عن حسابات أمن البحر الأحمر والمصالح الاقتصادية، وأي وساطة تفقد مصداقيتها عندما تصبح محكومة بالاستقطاب المالي والسياسي. إن السودان لا يحتاج إلى وسطاء يديرون الأزمة لتأمين مصالحهم، بل إلى شركاء يحترمون سيادته. لقد تجاوزت القضية عهد التسويات المرحلية، وباتت تتطلب مشروعاً وطنياً تأسيسياً شاملاً يعيد بناء الدولة ويعالج الخلل البنيوي التاريخي بناءً على المواطنة والعدالة. وأي محاولة للالتفاف على ذلك عبر منصات وسطاء منحازين، لن تكون سوى تأجيل للانفجار لا منعاً لوقوعه. شارك تصفّح المقالات كأس العالم وكأس الدم