عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان …يكتب ليست عظمة الأمم في قدرتها على خوض الحروب ولا في امتلاك أدوات الدمار وإنما في قدرتها على حماية الإنسان وصناعة السلام وبناء المؤسسات وإحياء الأمل في النفوس فكل ساعة تنفق في إشعال الحرب هي ساعة تقتطع من عمر الوطن وكل جهد يبذل في توسيع دائرة الصراع هو جهد ينتزع حجرا من أساس الدولة بينما يبقى البناء والإعمار والتعليم والعدالة والتنمية واحترام القانون هي الأعمال الوحيدة التي تمنح الأوطان أسباب البقاء وتصنع للأجيال مستقبلا يليق بكرامة الإنسان ولم يعرف التاريخ دولة بلغت الاستقرار لأن أبناءها أتقنوا لغة البنادق كما لم يعرف شعبا بلغ المجد لأنه أطال زمن الاقتتال وإنما حفظ التاريخ أولئك الذين انتصروا للعقل على الغضب وللحوار على العنف وللإنسان على المصالح الضيقة فالحروب لا تترك خلفها سوى المقابر والخراب والأيتام والأرامل واللاجئين والاقتصاد المنهك والمجتمع الممزق أما السلام فهو وحده الذي يعيد للإنسان حقه في الحياة ويعيد للوطن معناه الحقيقي وما يعيشه السودان اليوم لا يجوز أن يختبئ خلف الشعارات ولا أن يمنح اسما غير اسمه لأن الحقيقة لا تحتاج إلى تزيين إنها فوضى بكل ما تحمله الكلمة من معنى فوضى جعلت السلاح أعلى صوتا من القانون والكراهية أقرب إلى الناس من المحبة والانقسام أوسع من مساحة الوطن حتى أصبح السوداني يخشى أخاه أكثر مما يخشى عدوه وأصبح الموت خبرا يوميا بينما صارت الحياة حلما مؤجلا والوطنية بريئة من هذا كله لأنها لا تعرف طريقا يمر فوق جثث الأبرياء ولا تؤمن بأن خراب المدن يمكن أن يكون بوابة لبناء الأوطان ولا ترى في تجويع الناس وتشريدهم ثمنا مشروعا لأي هدف سياسي أو عسكري فالوطنية قيمة أخلاقية قبل أن تكون موقفا سياسيا وهي مسؤولية إنسانية قبل أن تكون خطابا يردد في المنابر وهي التزام دائم بحماية الإنسان وصون كرامته والدفاع عن حقه في الأمن والحرية والتعليم والعلاج والعمل والحياة الكريمة إن أخطر ما تصنعه الفوضى أنها لا تكتفي بتدمير المدن بل تدمر المعاني أيضا فتسرق اسم الوطن لتمنح نفسها شرعية وتحتكر الوطنية لتوزع صكوك الولاء وتستبدل المواطنة بالتخوين والحوار بالتحريض والتنوع بالعداء حتى يصبح الاختلاف جريمة ويصبح الرأي الآخر تهمة ويصبح الانتماء إلى السودان أقل قيمة من الانتماء إلى القبيلة أو الجهة أو السلاح ولا يمكن لدولة أن تستقيم وهي أسيرة لهذه الانقسامات لأن العنصرية والقبلية والجهوية وخطاب الكراهية ليست مجرد أخطاء أخلاقية بل هي أدوات لهدم الدولة وتمزيق المجتمع وإطالة أمد الصراع فالوطن الذي يقسم أبناءه إلى درجات لن يعرف الاستقرار والمجتمع الذي يفقد ثقته بنفسه لن يستطيع بناء مستقبله مهما امتلك من الموارد والإمكانات والمسؤولية الوطنية الحقيقية تبدأ حين يدرك الجميع أن السودان ليس ملكا لفئة ولا لقبيلة ولا لحزب ولا لحامل سلاح وإنما هو وطن لجميع أبنائه يتساوون فيه بالحقوق والواجبات وتحكمهم المواطنة المتساوية وسيادة القانون وتحميهم مؤسسات وطنية مستقلة تعمل لخدمة الشعب لا لخدمة الصراع لأن احترام مؤسسات الدولة هو احترام لفكرة الوطن نفسها وكل اعتداء عليها هو اعتداء على مستقبل السودان كله إن الوطن ليس حدودا مرسومة على الخرائط ولا راية ترفع في المناسبات وإنما هو الإنسان الذي ينام آمنا ويستيقظ مطمئنا ويرسل أبناءه إلى المدارس ويجد دواءه إذا مرض ويعيش من عرق عمله بكرامة فإذا فقد الإنسان هذه الحقوق فقد الوطن روحه مهما بقيت الأرض على حالها ولهذا فإن الوطنية الحقيقية لا تقاس بما يرفع من شعارات وإنما بما يقدم من تضحيات من أجل الإنسان فالمعلم الذي يواصل رسالته وسط الظروف القاسية أكثر خدمة للوطن من دعاة الحرب والطبيب الذي ينقذ الأرواح في أصعب الظروف أكثر وفاء للوطن من مروجي الكراهية والأم التي تغرس في أبنائها قيم التسامح تحمي السودان أكثر من كل خطاب يؤجج الانقسام والشاب الذي يختار المعول والقلم بدلا من البندقية يكتب صفحة جديدة في تاريخ وطنه لقد آن الأوان للسودانيين أن يضعوا نهاية لزمن التشظي وأن يؤمنوا بأن الاختلاف لا يفسد الانتماء وأن التنوع ليس لعنة بل نعمة وأن العدالة لا تتحقق إلا حين يشعر كل مواطن بأن كرامته مصونة وأن صوته مسموع وأن القانون يحميه دون تمييز فالأوطان العظيمة لا تبنى بالغلبة وإنما بالشراكة ولا تستقر بالإقصاء وإنما بالاعتراف المتبادل ولا تزدهر بالخوف وإنما بالثقة ولا تنهض بالانتقام وإنما بالمصالحة والعدالة إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من البنادق بل يحتاج إلى مزيد من الضمير ولا يحتاج إلى أصوات تدعو إلى استمرار الحرب بل إلى عقول تؤمن بأن السلام هو الطريق الوحيد لبناء دولة حديثة عادلة تحفظ الحقوق وتصون الحريات وتحقق التنمية وتعيد للمواطن ثقته في وطنه وسيظل الوطن أكبر من الجميع وأبقى من الجميع ولن يحفظه إلا الذين يؤمنون بأن الإنسان هو غايته الأولى وأن العدالة هي أساس بقائه وأن السلام هو طريق نهضته وأن المواطنة المتساوية هي العقد الذي يجمع أبناءه مهما اختلفت أصولهم وثقافاتهم وآراؤهم فحين ينتصر السوداني لأخيه السوداني قبل أن ينتصر على خصمه وحين تصبح كرامة الإنسان فوق كل المصالح الضيقة وحين تعود مؤسسات الدولة رمزا للعدالة لا ساحات للصراع عندها فقط يستعيد السودان مكانته ويستعيد شعبه حقه في الأمن والاستقرار والتنمية والحياة الكريمة ويثبت للعالم أن الأوطان لا تبنى بالحروب وإنما تبنى بالإنسان نواصل بمشيئة الله بتاريخ 30/يونيو /2026 شارك تصفّح المقالات «ثلاثون من يونيو»: يوم تطهر بعزم الشعب وتوضأ بماء الغيب؟! ماعدا المؤتمر الوطني: حكاية من ألف ليلة وليلة..! حكاية الألف دكان والاستحواذ بـ “التمكين”