الجميل الفاضل…. يكتب

ليست كل الأيام سواء، فثمة أيام تمرّ على الناس كما تمرّ الغيوم على وجه السماء، ثم تتبدد كأنها لم تكن.

وثمة أيام أخرى لا تعترف بها الروزنامات الأرضية أصلاً؛ لأنها كُتبت قبل أن تُخلق الساعات، وحُفرت في لوحٍ من نور، حيث لا يقيس الزمنُ نفسه بالأرقام، وإنما يقيسه بقدر ما يوقظ في الأرواح من حياة.

ومن تلك الأيام، «الثلاثون من يونيو».

ذلك اليوم الذي لم يخرج فيه السودانيون إلى الشوارع ليملأوا الساحات فقط، إنما هو يوم خرجت فيه الروح السودانية نفسها من رقادها الطويل، لتسترد التاريخ الذي صادرته ثلاثة عقود من الظلام.

قبل سبع سنوات، لم تكن المتاريس حجارةً تسد الطرقات، لكنها كانت آياتٍ في سفر الحرية.

لم تكن صدور الشباب تواجه البنادق لأنها لا تعرف الخوف؛ بل لأنها كانت قد تجاوزت الخوف تماماً، حين أدركت أن الإنسان لا يصبح حراً يوم ينتصر على خصمه، وإنما يوم ينتصر على خوفه.

في ذلك اليوم بالضبط، انهزم جبروت المادة أمام صبر الإنسان، وصموده وجسارته.

لتنكسر هيبة السلاح أمام يقين الصدور العارية.

قبل أن يكتشف العالم أن الشعوب حين تبلغ مقام الإجماع، تتحول هي نفسها إلى قانون مقدس، لا إلى مجرد كتلة بشرية.

لكن الظلام هو هكذا دائماً، لا ينقشع مع أول خيط شعاع.

إنه يقاتل كعادة الخفافيش إلى آخر رمق من الليل.

ولهذا لم تكن مجزرة فض اعتصام القيادة حادثةً منفصلة، كما لم يكن انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر انقطاعاً في سياق المؤامرة؛ لكنهما كانا فصلين من الرواية نفسها.

الرواية التي كتبتها الخيانة، وختمها الغدر، وأخرجها تحالفٌ إخواني أدمن اختطاف الدولة كلما عجز عن الفوز بالشعب.

كان الإسلاميون يريدون في ذلك اليوم إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

بل وإعادة السودان برمته إلى القفص الذي كسرته الثورة.

أرادوا أن يستعيدوا دولة تمكينهم بعدما استعادت الجماهير حلم الدولة المدنية، دولة الحرية والسلام والعدالة أو كادت، نظرياً على الأقل.

إذ لما استعصى على الإسلاميين شارع صعب المراس كهذا، فتحوا عليه قبل أكثر من ثلاث سنوات أبواب الحرب والجحيم.

ولأن الحرب ما هي إلا الوجه الأخير لعجز السياسة، فقد كانت حرب أبريل 2023 الابنة الشرعية لمجزرة القيادة، ولانقلاب البرهان الوريث الشرعي لكل ما سبقه من مشاريع الفساد والاستبداد الإخواني.

ولذلك فإن الرصاص الذي يمزق المدن اليوم، كان قد بدأ رحلته يوم ظن الطغاة أن البندقية تستطيع أن تنتصر على تلك الثورة المباركة.

لكن مثل هذه الثورات لا تموت.

رغم أنها قد تتأخر قليلاً، لكنها لا تموت أبداً.

عموماً في قلب هذه العواصف، كانت الأقدار قد خبأت لي سطراً آخر من كتاب الروح.

ففي الثلاثين من يونيو عام 2022، بينما كانت الخرطوم تُطوَّق بالحواجز، وتُغلق جسورها، وتُقطع عنها الاتصالات، وتُحبس كلها داخل فقاعة عنوانها: خوف السلطة من شعبها.

كانت أمي، الفاضلة «مريومة مهدي التجاني»، تتهيأ لرحيل أبدي عن هذه الفانية.

كأن السماء اختارت هذا اليوم بعينه، لتقول لي إن الأوطان والأمهات يشتركن كذلك في سرٍ واحد، كلاهما يمنح الحياة، وكلاهما يتألم في صمت.

رحلت أمي في ذلك اليوم، لكن الطريق إلى مثواها الأخير لم يكن أقل قسوة من الطريق الذي كان الوطن كله يسير فيه.

إذ كيف يُشيَّع جسدٌ طاهر في مدينة تحولت بالكامل إلى ثكنة عسكرية؟

وكيف تعبر جنازةٌ جسوراً أقفلها خوف العسكر من دوي الحناجر بالحاويات؟

ثم كيف يبلغ حزننا عنان السماء، وقد تقطعت بيننا كل وسائط التواصل على الأرض؟

كانت الرحلة إلى مقابر «أحمد شرفي» أكثر من تشييع جنازة.

كانت تمثل في تلك اللحظة اختصاراً مكثفاً لسيرة السودان كله.

هناك، رأيت كيف يتجاور الموت الواثق النقي مع الذعر البشري الرعديد.

وكيف تستطيع السلطة أن تغلق الكباري والطرق بالفولاذ والحديد، لكنها تعجز في ذات الوقت عن إغلاق السماء أمام دعواتنا وتضرعاتنا وابتهالاتنا النبيلة.

منذ ذلك اليوم، لم تعد أمي تسكن لوحدها مجرد مقبرة.

إنما سكنت في داخلي، وصارت كلما نظرت إلى السودان الجريح، رأيت وجهها يبتسم مطمئناً، كأنها تقول لي:

«لا تخف، فالذي يعبر بالأرواح إلى الله، قادر أن يعبر بالأوطان إلى الحياة.»

أيها السودانيون، يا من حملتكم الحرب إلى المنافي، وإلى خيام النزوح، وإلى خرائط لم تحفظ أسماءكم بعد، لا تظنوا أن المتاريس قد تهدمت.

فالمتاريس لا تُبنى بالحجارة.

المتراس الحقيقي هو ذاك الذي استقر بداخل القلب يرفض الذل.

هو الإيمان بأن الإنسان لا يُهزم ما دام يعرف لماذا ومتى يقول «لا».

هو ذلك الجين الذي زرعته ثورة ديسمبر في دماء السودانيين كلهم، ولم تعد كل جرافات العالم قادرة على اقتلاعه من شرايينهم وأوردتهم.

لهذا، قد يخسر الناس اليوم بيوتهم، وقد تضيع مدنهم، وقد تحترق خرائطها.

لكن الأمة التي تحفظ متراسها في ضميرها، لا تضيع أبداً.

وكما استرد السودانيون يوماً روزنامة هذا التاريخ من قبضة انقلاب الثلاثين من يونيو 1989.

وكما عبرنا أنا وإخوتي بجثمان أمي الطاهر، رغم الحصار والأسلاك والجسور المغلقة، سيعبر السودان أيضاً، ليس لأن موازين القوة في الأرض ترجح ذلك، بل لأن قوانين السماء ترجحه.

فالحديد يصدأ، والبنادق تصمت، والطغاة يذهبون كما يذهب الزبد، أما ما ينفع الناس فسيمكث في الأرض.

المهم أن هذه الحرب، مهما استطال بها الزمن، لا تعدو أن تكون سوى المخاض الأخير الذي يسبق ميلاد السودان الجديد الذي يستحقه السودانيون.

السودان الذي لا يُدار بالخوف، بل بالحرية، ولا يُبنى بالغلبة، بل بالعدالة.

ولا يحرسه الجنود المدججون بالسلاح،

لكن يحرسه صحو ضمائر أبنائه اليقظة.

علينا الآن أن نحرس متاريس النور في دواخلنا، لنحفظ جذوة الرجاء من رياح اليأس.

فدعوات الأمهات لا تموت.

ودماء الشهداء لا تجف.

والأوطان التي هبت مرةً ومرتين وثلاثاً باسم ثورات تنشد الحرية، تعرف دائماً كيف ومتى ومن أين ستهب تارةً أخرى.

وللحقيقة فإن «الثلاثين من يونيو» لم يكن يوماً مضى، بل هو وعدٌ إلهيٌ لا يزال يتجدد، كلما ظن الناس أن الليل قد طال.

وبالطبع فإن الليل، مهما استبدّ، لا يملك أن يمنع الفجر، وإن أفلح في أن يؤخر موعد ظهوره قليلاً.

أما الفجر نفسه، فقد خُلق ليأتي في النهاية لا محالة، بعز عزيز أو بذل ذليل.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *