آدم الحاج أديب….يكتب

 

لم تكن الساعات الأولى من صباح اليوم الثلاثاء عادية في مدينة أم دافوق الحدودية، الواقعة في الجزء التابع لمحافظة بيراو بجمهورية أفريقيا الوسطى. ففي حوالي الساعة الرابعة صباحاً، استيقظ سكان المنطقة على وقع اشتباكات عنيفة راح ضحيتها – وفقاً لمصادر محلية – ما لا يقل عن أحد عشر شخصاً من المواطنين والعسكريين التابعين للسلطات المحلية، إضافة إلى مقتل ستة من عناصر قوات سيليكا، في تطور ينذر بمرحلة جديدة من السيولة الأمنية في واحدة من أكثر المناطق الحدودية هشاشة وتعقيداً في الإقليم.

ولم تقتصر حصيلة المواجهات على القتلى، إذ تشير المعلومات الأولية إلى سقوط عدد من الجرحى في صفوف الطرفين، لم يتسنَّ حصرهم حتى لحظة كتابة هذا المقال، في ظل استمرار التوتر وصعوبة الوصول إلى بعض مواقع الاشتباكات. كما أفرزت هذه الأحداث موجة نزوح واسعة بين السكان المدنيين، الذين اضطر كثير منهم إلى مغادرة منازلهم بحثاً عن مناطق أكثر أمناً، الأمر الذي ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية إذا استمرت المواجهات أو تجددت خلال الأيام المقبلة.

وبحسب مصادر مطلعة، فقد تزامنت هذه الاشتباكات مع طلعات جوية ألقت صواريخ على محيط المنطقة التي دارت فيها المواجهات، دون أن تسفر – بحسب المعلومات الأولية – عن خسائر تذكر. وحتى لحظة كتابة هذا المقال، لم تصدر معلومات رسمية تحدد الجهة التي نفذت تلك الطلعات، الأمر الذي يضفي مزيداً من الغموض على المشهد.

ويؤكد شهود عيان من سكان المنطقة أن التوتر لم يبدأ مع اشتباكات اليوم، وإنما سبقته حالة من الاحتقان الأمني خلال الأيام الماضية، بعد تشديد الرقابة على المعبر الحدودي، وصدور قرارات أمنية تقضي بمنع حمل السلاح، وحظر ارتداء “الكدمول”، ومنع استخدام الدراجات النارية، إلى جانب فرض قيود على بعض المواد التي يحملها القادمون من أم دافوق السودانية إلى داخل أراضي أفريقيا الوسطى.

غير أن قراءة هذه الأحداث بمعزل عن طبيعة أم دافوق نفسها تقود إلى استنتاجات ناقصة. فهذه المنطقة ليست مجرد نقطة عبور بين دولتين، بل هي فضاء اجتماعي تشكل عبر عشرات السنين، حيث يعيش الرعاة والمزارعون والتجار على جانبي الحدود في علاقات مصاهرة ومصالح اقتصادية وروابط قبلية تجاوزت الحدود السياسية التي رسمتها الدول.

فالكثير من أبناء الرعاة والمزارعين السودانيين استقروا في هذه المنطقة منذ عقود، ومارسوا الزراعة ورعي الماشية، وأصبحوا جزءاً من النسيج الاجتماعي في جمهورية أفريقيا الوسطى، مع احتفاظهم بجذورهم السودانية. ولذلك، فإن أي توتر أمني لا يقتصر أثره على طرف دون آخر، وإنما يمتد ليصيب مجتمعاً متداخلاً يصعب الفصل بين مكوناته.

ولسنوات طويلة، حاولت الإدارات الأهلية والقيادات المجتمعية في السودان وأفريقيا الوسطى الحفاظ على هذا التعايش عبر مؤتمرات الصلح والمواثيق الاجتماعية، إدراكاً منها لحساسية المنطقة وأهميتها، إلا أن هذه الجهود كانت تصطدم في كل مرة بغياب إدارة حدودية فعالة، وبضعف مؤسسات الدولة في البلدين نتيجة الاضطرابات السياسية والأمنية التي استمرت لسنوات.

وتكتسب الأحداث الأخيرة بعداً أكثر تعقيداً إذا ما وضعت في سياق التحولات الأمنية التي شهدتها أفريقيا الوسطى خلال الأعوام الماضية. فمنذ عام 2021، ارتبط اسم قوات فاغنر بعدد من العمليات الأمنية في مناطق التعدين، ولا سيما في منجم الذهب المعروف باسم أندها، حيث تتحدث مصادر محلية وشهادات متداولة في المنطقة عن مقتل عدد من المعدنين الأهليين، وهي أحداث تركت آثاراً عميقة في ذاكرة المجتمعات المحلية ورسخت حالة من التوجس تجاه الوجود العسكري الأجنبي.

وفي السنوات اللاحقة، لم يعد الوجود الأمني المرتبط بروسيا يقتصر على مناطق بعيدة عن أم دافوق، بل اتسع نطاقه تدريجياً، وشمل تدريب وتسليح مجموعات من أبناء المنطقة وإسناد مهام أمنية لبعضهم. ومن حيث المبدأ، كان الهدف المعلن هو تعزيز سلطة الدولة وحماية الحدود، إلا أن الواقع الميداني – وفقاً لروايات متطابقة من سكان المنطقة – أفرز تعقيدات اجتماعية جديدة، تمثلت في اتهامات باستغلال بعض أصحاب السلطات الأمنية الجديدة مواقعهم لتصفية خلافات قديمة مع مجموعات من الرعاة والمزارعين المنحدرين من أصول سودانية، الأمر الذي أسهم في تصاعد الاحتقان وإضعاف الثقة بين مكونات المجتمع المحلي.

واليوم، ومع اندلاع هذه الاشتباكات الدامية، تتزايد المخاوف من أن تدخل المنطقة مرحلة أكثر خطورة، خاصة مع حلول فصل الخريف، الذي يحد من سهولة الحركة والسيطرة الأمنية، ويمنح الجماعات المسلحة مساحة أوسع للتحرك عبر المسالك الحدودية الوعرة.

إن ما جرى فجر اليوم لا ينبغي النظر إليه باعتباره حادثاً أمنياً معزولاً، بل يمثل مؤشراً على أزمة حدودية متراكمة، تشكلت عبر عقود من ضعف الإدارة المشتركة، وتداخل الهويات الاجتماعية، وتعاقب الأنظمة السياسية، وتغير السياسات الأمنية، ثم جاءت التنافسات الإقليمية والدولية لتضيف إليها أبعاداً جديدة أكثر تعقيداً.

واليوم، تقف أم دافوق مرة أخرى على مفترق طرق. فإما أن تدرك حكومة الوحدة والسلام (تأسيس) في السودان، وحكومة جمهورية أفريقيا الوسطى، أن أمن هذه المنطقة لا يمكن أن يُدار بردود الأفعال أو الحلول المؤقتة، وإنما عبر رؤية مشتركة لإدارة الحدود، وتعزيز التنسيق الأمني، وتمكين الإدارات الأهلية من أداء دورها في حماية السلم الاجتماعي، وإما أن تستمر دوامة العنف في إنتاج المزيد من الضحايا والنازحين، وتحويل هذا الشريط الحدودي إلى ساحة صراع مفتوحة تتقاطع فيها المصالح المحلية والإقليمية والدولية.

وما يزيد من خطورة المشهد أن أحداث فجر اليوم لم تخلّف قتلى فحسب، بل أوقعت أيضاً عدداً من الجرحى من الطرفين لم يتم حصرهم حتى لحظة كتابة هذا المقال، كما دفعت أعداداً كبيرة من الأسر إلى النزوح من المنطقة، في مؤشر واضح على أن المدنيين يظلون دائماً أول ضحايا هشاشة الحدود، وغياب الإدارة الفاعلة، واستمرار الصراعات المسلحة.

إن أم دافوق اليوم ليست مجرد عنوان لاشتباكات حدودية، بل مرآة تعكس أزمة أعمق تتداخل فيها الجغرافيا بالتاريخ، والهويات المحلية بالمصالح الإقليمية، والتنافس الدولي بضعف الدولة. ومن هنا، فإن معالجة الأزمة لا تبدأ بإخماد صوت الرصاص فحسب، وإنما ببناء رؤية استراتيجية مشتركة تعيد للحدود وظيفتها كجسر للتواصل والتكامل، لا كساحة للصراع وتصفية الحسابات.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *