إيهاب مادبو…يكتب

 

القادة الذين يمتلكون أعظم درجات الشجاعة ليسوا أولئك الذين يطيلون أمد الحروب، وإنما أولئك الذين يمتلكون الجرأة الأخلاقية والسياسية لإنهائها. فإشعال المعارك قد يكون قراراً يسيراً، أما إيقافها فيتطلب إرادة استثنائية وقدرة على تجاوز الحسابات الضيقة والانتصار للمصلحة الوطنية.

 

ولذلك لم يكن التاريخ يحتفي بمن أتقن إدارة الحروب بقدر احتفائه بمن امتلك الشجاعة لإغلاق أبواب الدم وفتح نوافذ المستقبل. فصناعة السلام لم تكن يوماً خيار الضعفاء أو تعبيراً عن التراجع، بل كانت دائماً أصعب اختبار يواجه القادة، لأنه يفرض عليهم مواجهة الخصوم، وفي كثير من الأحيان مواجهة أنصارهم أيضاً.

 

وتؤكد التجارب الكبرى هذه الحقيقة. فقد خرج نيلسون مانديلا من سبعة وعشرين عاماً من السجن وهو يحمل كل المبررات الأخلاقية للانتقام، لكنه أدرك أن الأوطان لا تبنى بالثأر، وأن العدالة لا تتحقق بإعادة إنتاج الكراهية، وأن المستقبل لا يمكن أن يولد من رحم الأحقاد، فاختار المصالحة الوطنية طريقاً لبناء دولة جديدة.

 

ولم يكن المهاتما غاندي بعيداً عن هذا النهج، إذ قاد واحدة من أعظم حركات التحرر في التاريخ، لكنه ظل يؤمن بأن القوة الحقيقية لا تكمن في السلاح، وإنما في القدرة على كسر دائرة العنف وتحويل الصراع إلى تسوية، والخصومة إلى مشروع وطني جامع يفتح الطريق أمام الاستقرار والتنمية.

 

ولهذا أثبت التاريخ أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تتحقق في ساحات القتال، وإنما تلك التي تنجز على موائد التفاوض، عندما ينتصر العقل على الغضب، والحكمة على الانفعال، والمصلحة الوطنية على الحسابات السياسية الضيقة، فتتحول نهاية الحرب إلى بداية مرحلة جديدة من البناء والاستقرار.

 

وفي السودان، يبدو عضو مجلس السيادة ومساعد القائد العام للقوات المسلحة، شمس الدين الكباشي، وكأنه يتحرك داخل مساحة سياسية تضيق يوماً بعد آخر، في ظل صراع تتداخل فيه مصالح قوى سياسية واجتماعية ترى أن أي تسوية شاملة قد تعيد تشكيل موازين القوة، وتهدد امتيازات تراكمت عبر عقود من إدارة الدولة السودانية.

 

ولهذا أصبحت تحركات الكباشي محل جدل واسع، ليس فقط بسبب طبيعة اللقاءات التي يجريها، وإنما بسبب ما قد تفضي إليه من إعادة رسم للخريطة السياسية في السودان. فكل خطوة باتجاه التسوية تُقابل بحملات تشكيك وتحريض، تعكس حجم الانقسام حول مستقبل الحرب وكيفية إنهائها.

 

ويستند هذا الجدل إلى ما جرى عقب توقيع “اتفاق المنامة” في العشرين من يناير 2024 بين الكباشي وعبد الرحيم دقلو في العاصمة البحرينية المنامة. فقد تضمنت الوثيقة اثنين وعشرين بنداً شملت إعادة بناء المؤسسة العسكرية بعقيدة جديدة، والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، وتفكيك بنية نظام الإسلاميين، إلى جانب معالجات سياسية وأمنية تهدف إلى إنهاء جذور الأزمة السودانية.

 

غير أن الاتفاق لم يري النور بعد تسريب تفاصيله إلى الصحفي مزمل أبو القاسم، لتبدأ حملة إعلامية وسياسية واسعة رافضة للوثيقة، تعرض خلالها الكباشي لانتقادات حادة واتهامات متواصلة، الأمر الذي أسهم في إجهاض المبادرة قبل أن تتحول إلى مسار تفاوضي يمكن أن يفتح الباب أمام إنهاء الحرب.

 

وتكرر المشهد مرة أخرى عقب لقاء الكباشي في القاهرة، في الثامن عشر من يونيو الماضي، مع مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، حيث ناقش الجانبان مقترحاً أمريكياً لوقف إطلاق النار. ولم تمضِ فترة طويلة حتى تسربت تفاصيل اللقاء، لتبدأ موجة جديدة من الجدل والتحريض، في محاولة لإحباط أي تحرك يمكن أن يقود إلى تسوية سياسية.

 

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم: هل يمضي الكباشي في طريق التسوية السياسية، متحملاً كلفة الصدام مع مراكز النفوذ وحملات التشويه، أم يختار التراجع تحت ضغط القوى التي ترى في استمرار الحرب وسيلة للحفاظ على موازين القوة القائمة؟

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *