عمار نجم الدين….يكتب تدور هذه الأيام حملة منظمة ضد جمهورية جنوب السودان بسبب وثيقة تتحدث عن فرض خمسين دولاراً رسوماً للتأشيرة على السودانيين، مع إعفاء مواطني مصر وتنزانيا ودول جماعة شرق أفريقيا. وزارة الداخلية في جوبا نفت صدور قرار جديد، وقالت إن الوثيقة قديمة وتعود إلى نحو سبع سنوات. لكن الحملة لم تتوقف، لأن القضية ليست خمسين دولاراً ولا تأشيرة، بل عقلية ما زالت تنظر إلى جنوب السودان باعتباره «الحيطة القصيرة» التي يمكن تسلقها كلما عجز أصحابها عن مواجهة الحيطان الأعلى. استُثنيت مصر لأن المعاملة كانت متبادلة؛ فالمواطن المصري لا يدفع رسوم التأشيرة عند دخوله جنوب السودان، وكذلك المواطن الجنوب سوداني عند دخوله مصر. وكانت تنزانيا من الدول المستثناة منذ سنوات، ثم توسع الإعفاء ليشمل كينيا وأوغندا وإثيوبيا، ضمن التعاون الإقليمي وحرية الحركة بين دول شرق أفريقيا. أما المواطن السوداني، فيستطيع منذ الانفصال الحصول على تأشيرة جنوب السودان عند وصوله إلى المطار، مع دفع الرسوم المقررة. في المقابل، لا يستطيع المواطن الجنوب سوداني دخول السودان بالطريقة نفسها. عليه الذهاب إلى السفارة السودانية في جوبا، وتقديم طلب مسبق ودفع خمسين دولاراً قبل السفر. لذلك، قبل أن يسأل أحدهم: كيف يفرض الجنوب تأشيرة على السودانيين؟ عليه أن يسأل: لماذا لا يستطيع الجنوب سوداني دخول السودان بالإجراءات نفسها؟ ولماذا تصبح السيادة حقاً طبيعياً عندما تمارسها الخرطوم، ثم تتحول إلى عدوان عندما تمارسها جوبا؟ جنوب السودان دولة مستقلة منذ عام 2011، وليس مقاطعة سودانية ولا بوابة خلفية للسودان القديم. له علم وحدود وجيش وقوانين ومصالح. ومن حقه تحديد شروط الدخول إلى أراضيه، والدول التي يعفي مواطنيها، والرسوم التي يفرضها وفق قوانينه واتفاقاته. الغريب أن كثيراً من السودانيين الذين فروا من الحرب دخلوا جنوب السودان من دون جوازات أو أوراق مكتملة. لم تغلق جوبا الحدود في وجوههم، ولم تُعدهم إلى ساحات القتال. وفي بعض الفترات كان الآلاف يعبرون يومياً عبر معبر جودة، بينما كانت الرنك ومراكز الاستقبال تعاني أصلاً نقص الغذاء والدواء والخدمات. ومع ذلك، تحمل جنوب السودان عبئاً إنسانياً واقتصادياً يفوق قدرته. لم تجعل حكومة جنوب السودان السودانيين هدفاً لسياسة اضطهاد رسمية. نعم، وقعت اعتداءات مؤسفة ضد سودانيين، ويجب إدانتها والتحقيق فيها ومحاسبة مرتكبيها. لكن لا يجوز تحويل كل جريمة فردية إلى سياسة دولة، أو استخدامها لإنكار ما قدمه شعب جنوب السودان للفارين من الحرب. الكرم لا يلغي السيادة. حماية اللاجئ الهارب من الموت شيء، وتنظيم دخول المسافر والتاجر والمقيم شيء آخر. وليس من حق السوداني أن يحول حسن استقبال الجنوب له إلى امتياز دائم، ثم يعتبر مطالبته باحترام القانون إهانة وطنية. والأكثر إثارة للسخرية أن كل هذه الشجاعة ظهرت بسبب خمسين دولاراً، في وقت تواجه فيه القوات المصرية اتهامات أخطر بكثير، تتعلق بقتل معدّنين سودانيين داخل الأراضي السودانية. تحدثت شهادات وتقارير عن قصف وتوغل يومي 17 و18 يونيو 2026 استهدفا مواقع للتعدين، وقيل إنهما تسببا في مقتل أكثر من خمسين معدّناً وفقدان آخرين. طالب حقوقيون ودبلوماسيون بتحقيق مستقل، بينما اكتفى عبد الفتاح البرهان بوعد عام بالتحقيق. وحتى الآن، بحسب المعلومات المتاحة علناً، لم تظهر نتائج شفافة توضح ما حدث، ومن نفذ الهجوم، وكيف دخلت قوة أجنبية إلى الأراضي السودانية إن صحت تلك الاتهامات. والدقة هنا ضرورية. ما حدث يمكن وصفه باتهامات بقتل جماعي أو مجزرة محتملة. أما «الإبادة الجماعية» فلها شروط قانونية، من بينها إثبات القصد إلى تدمير جماعة قومية أو إثنية أو دينية. المبالغة في المصطلحات لا تقوي القضية، بل قد تضعفها. هنا يظهر الإفلاس الأخلاقي للحملة. لا تملك حكومة بورتسودان موقفاً حقيقياً يحمي مواطنيها وسيادة أراضيها أمام القاهرة. ولا يملك البرهان لغة حازمة تليق بخطورة الاتهامات. لكنه، ومعه أصوات كثيرة، يستعيد فجأة خطاب الكرامة والسيادة عندما يكون الطرف الآخر هو جنوب السودان. يصمتون أمام القاهرة، ثم يستأسدون على جوبا. يتحملون تعقيدات التأشيرة والإقامة في مصر، وبعضهم يتحمل الإذلال والتمييز، ثم يغضبون عندما تقول لهم دولة أفريقية مستقلة: هذه حدودنا وهذه قوانيننا. جزء من النخبة السودانية ينظر إلى جنوب السودان بالنظرة الاستعلائية نفسها التي يشكو السودانيون من نظرة بعض مؤسسات الدولة والنخب المصرية إليهم. السوداني الذي يرفض التبعية للقاهرة قد يمارس الدور نفسه تجاه جوبا؛ يستكين أمام من يراه أقوى منه، ثم يستعيد وهم التفوق عندما يتجه جنوباً. إنها عملية تعويض نفسي. الإنسان المقهور لا يقاوم دائماً البنية التي قهرته، بل قد يعيد إنتاجها ضد شخص يتوهم أنه أضعف منه. القاهرة تتعامل مع السودان باعتباره مجالاً تابعاً، وبعض السودانيين يريدون بدورهم معاملة جنوب السودان باعتباره هامشاً سابقاً لم يكتسب حقه الكامل في الاستقلال. وهذا لا يعني اتهام جميع المصريين أو السودانيين. المشكلة في سياسات الدولة وخطاب بعض النخب، وليست صفة ثابتة في شعب كامل. فإذا تحول نقد الاستعلاء إلى كراهية للشعوب، نكون قد أعدنا إنتاج المرض نفسه. السوداني الذي يعتبر دخوله إلى جنوب السودان حقاً طبيعياً، بينما يرى دخول الجنوب سوداني إلى السودان مسألة أمنية تحتاج إلى تأشيرة وتدقيق، لا يدافع عن الأخوة بين الشعبين. إنه يدافع، بوعي أو من دونه، عن امتياز استعماري متخيل. وقبل محاكمة الجنوب، علينا تذكر ما تعرض له الجنوب سودانيون داخل السودان. ففي يناير 2025 ظهرت تسجيلات لمدنيين جنوب سودانيين قيل إنهم قُتلوا في ود مدني على أيدي قوات متحالفة مع الجيش السوداني. كما وثقت بعثة الأمم المتحدة هجمات انتقامية في ولاية الجزيرة، وتحدثت عن قتل مدنيين واستخدام إهانات عنصرية ضد جماعات من غرب السودان ودارفور وجنوب السودان. وفي أكتوبر 2025، تحدثت تقارير عن ترحيل أكثر من مائة امرأة جنوب سودانية من الخرطوم إلى منطقة جودة، بعد توقيفهن في الشوارع أو المنازل. وقالت بعض النساء إنهن فُصلن عن أطفالهن وأسرهن. ثم ظهرت تقارير أخرى عن ترحيل أعداد أكبر، وما صاحب ذلك من اعتقال وإهانة ومصادرة ممتلكات وتفريق أسر. هذه الانتهاكات لا تبرر الاعتداء على أي سوداني في جنوب السودان، ولا تمنح جوبا حصانة من النقد. الجريمة تظل جريمة أياً كان مرتكبها. لكن من النفاق أن نطالب جنوب السودان بفتح حدوده من دون شروط، بينما نصمت عن قتل الجنوب سودانيين وترحيل نسائهم داخل السودان. جنوب السودان ليس حيطة قصيرة. لديه دولة وجيش وحدود وسيادة، ولديه من القوة ما يكفي لحماية مصالحه. وما يمنعه من مقابلة الإساءة بالإساءة ليس الخوف ولا العجز، وإنما الروابط التاريخية وضبط النفس والمسؤولية الأخلاقية تجاه شعبين عاشا معاً وتقاسما الدم والحرب والمصير. كان في مقدور جوبا إغلاق حدودها أمام الفارين، أو فرض إجراءات قاسية عليهم، أو استغلال انهيار السودان كما تفعل الدول الانتهازية. وكان في مقدور جيش جنوب السودان أن يتسلق حيطة السودان التي قصّرتها الحرب وأضعفتها سلطة بورتسودان، لكنه لم يفعل. ليس لأنه عاجز، وإنما لأن امتلاك القوة لا يفرض استخدامها، وضبط القوة لا يعني الضعف. الحيطة القصيرة الحقيقية هي حكومة تعجز عن حماية حدودها ومواطنيها، وتصمت أمام الطرف الأقوى، ثم توجه غضبها نحو دولة آوت شعبها. ومن أراد الدفاع عن كرامة السودان، فليبدأ بالمعدّنين الذين قُتلوا داخل أرضهم، وبالسيادة التي يُقال إنها انتُهكت، لا بمهاجمة دولة طلبت من المسافر خمسين دولاراً لعبور حدودها. أنا مواطن سوداني، ولا أرى في الدفاع عن سيادة جنوب السودان موقفاً ضد بلادي. بل أراه دفاعاً عن سودان جديد يتعامل مع جيرانه بالندية والاحترام. من يريد الأخوة بين الشعبين، عليه أولاً الاعتراف بالمساواة بين الدولتين. ومن يطالب جوبا بإعفاء السودانيين، عليه أن يطالب الخرطوم بإعفاء الجنوب سودانيين أيضاً. حيطة جنوب السودان ليست قصيرة، وما حسبه البعض ضعفاً لم يكن سوى حسن الخُلُق. لكن لا ينبغي اختبار صبر دولة ذات سيادة إلى ما لا نهاية، ولا تفسير ضبط النفس باعتباره عجزاً. فالكرامة لا تتجزأ، والسيادة لا تعمل في اتجاه واحد. شارك تصفّح المقالات معراجُ الكتابة في أرضِ الأسرار؟! زحمة المقابر وفراغ الجامعات