عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان..يكتب في السودان لم تعد اكثر الاماكن ازدحاما هي الجامعات ولا المكتبات ولا قاعات المحاضرات بل المقابر صار الطريق الذي كان يقود الشباب نحو المستقبل يقودهم اليوم نحو الغياب وصارت الامهات اللواتي كن ينتظرن عودة ابنائهن بشهادة التخرج ينتظرن عودتهم محمولين على الاكتاف في اكفان بيضاء لا تحمل اسما لمهنة ولا شهادة ولا حلما بل تحمل تاريخا قصيرا لعمر انتهى قبل ان يبدأ كان الطالب يحمل حقيبته وفيها كتاب وقلم ودفتر واحلام واسعة بحجم الوطن وكان يخرج من منزله وهو يظن ان الطريق ينتهي عند بوابة الجامعة لكنه وجد نفسه في وطن اختلطت فيه الطرق حتى صار اقرب طريق للشباب هو الطريق الى المقبرة في بلاد كان يفترض ان تبني المدارس والجامعات والمختبرات والمكتبات انشغلت الايام ببناء المقابر وتوسعتها وكأن الموت اصبح المؤسسة الوحيدة التي لا تتوقف عن العمل ولا تعرف الاضراب ولا تغلق ابوابها في وجه احد اصبحت الجامعات صامتة بعد ان كانت تضج بالحياة وغابت اصوات المحاضرين والطلاب وحلت مكانها اصوات المدافع والانفجارات وصرخات الامهات ونحيب الاباء وصارت القاعات التي كانت تصنع الاطباء والمهندسين والمعلمين والمحامين اما مغلقة او مدمرة او خاوية الا من الذكريات في المقابل لم تعرف المقابر يوما واحدا من الفراغ فهي تستقبل كل صباح وجوها جديدة واعمارا جديدة واحلاما جديدة تنتهي تحت التراب قبل ان تجد فرصتها في الحياة كم هو موجع ان يصبح الحصول على مكان في المقبرة اسهل من الحصول على مقعد في الجامعة وكم هو قاس ان تتحول شهادة الوفاة عند كثير من الاسر الى الورقة الوحيدة التي تصلهم من ابنائهم بعد ان كانوا ينتظرون شهادة التخرج لقد سرقت الحرب من السودان اغلى ما يملك وهو شبابه وسرقت من الامهات ضحكات الابناء ومن الاطفال اخوتهم ومن المدارس طلابها ومن الوطن مستقبله كل شاب يسقط لا يفقد حياته وحدها بل يفقد الوطن طبيبا كان يمكن ان ينقذ المرضى ومهندسا كان يمكن ان يبني الجسور ومعلمة كانت يمكن ان تزرع الوعي ومحاميا كان يمكن ان يدافع عن المظلومين ومزارعا كان يمكن ان يزرع الارض وعالما كان يمكن ان يفتح بابا جديدا للحياة الموت لا يسرق انسانا واحدا بل يسرق مستقبلا كاملا اصبح السؤال الذي يؤرق كل اسرة ليس في اي جامعة يدرس ابننا بل هل ما زال على قيد الحياة وصارت الام تودع ابنها كل صباح وكأنها تودعه للمرة الاخيرة وتخفي دموعها حتى لا يراها وهي تعلم ان الحرب لا تعترف بالاعمار ولا الاحلام ولا الامنيات في السودان تبدلت اللغة نفسها صرنا نسمع اخبار الجنائز اكثر مما نسمع اخبار النجاح وصارت صور النعي اكثر حضورا من صور التخرج وصار السواد الذي ترتديه الامهات اكثر انتشارا من اثواب الاحتفال حتى الفرح اصبح خائفا من الظهور كل بيت يحمل قصة فراق وكل شارع يعرف جنازة وكل مدينة تخفي تحت ترابها مئات الحكايات التي لم تكتمل ليس اكثر قسوة على الانسان من ان يرى جيلا كاملا يختفي امام عينيه دون ان يستطيع ان يمنع ذلك ليس اكثر الما من ان يصبح الشاب الذي كان يحلم ببناء وطنه مجرد رقم جديد في قائمة طويلة من الضحايا الوطن لا يبنى بالمقابر ولا ينهض بالنعوش ولا يزدهر بفقدان شبابه الاوطان تعيش بعقول ابنائها لا بعدد قبورهم وتنتصر بجامعاتها لا بمقابرها وتكتب تاريخها بالحياة لا بالموت لا نحتاج الى المزيد من صور الشهداء المعلقة على الجدران بقدر ما نحتاج الى شباب احياء يجلسون في قاعات الدراسة ويملأون المختبرات ويزرعون الحقول ويشيدون المصانع ويصنعون السلام فالانسان هو اعظم ثروة يملكها الوطن وكل شاب نفقده هو صفحة تحترق من كتاب المستقبل وكل طالبة تغيب عن مقعدها هي شمعة تنطفئ في بيت السودان الكبير سيأتي يوم يسأل فيه التاريخ كيف تحولت ارض كانت تنجب العلماء والمفكرين والاطباء والمعلمين الى ارض ازدحمت فيها المقابر اكثر من الجامعات وكيف قبل السودان ان يصبح الموت خبرا يوميا بينما اصبحت الحياة حدثا نادرا ان اعظم تكريم للشباب ليس ان نكتب اسماءهم على شواهد القبور بل ان نحمي حقهم في الحياة وان نعيد اليهم مدارسهم وجامعاتهم وكتبهم واحلامهم وان نعيد الى الامهات ذلك الاطمئنان البسيط الذي فقدنه منذ اندلاع الحرب نريد وطنا يعود فيه الطالب الى مقعده قبل ان يعود الى قبره وتعود فيه الام لتنتظر ابنها عند باب المنزل لا عند باب المقبرة ويعود فيه صوت المحاضرات اعلى من صوت الرصاص وتعود فيه ضحكات الشباب اقوى من صمت المدافن لان السودان لا يحتاج الى المزيد من المقابر بل يحتاج الى المزيد من الحياة ولا يحتاج الى المزيد من النعوش بل يحتاج الى المزيد من الكتب ولا يحتاج الى المزيد من الفقد بل يحتاج الى جيل كامل يعيش ويحلم ويتعلم ويبني وطنا يستحق ان يبقى نواصل بمشيئة الله بتاريخ 22 /يوليو /2026 شارك تصفّح المقالات حيطة جنوب السودان ليست قصيرة… إنما هو حُسن الخُلُق الازمة السودانية: الحرب والعودة الطوعية والاعتقالات .. لايستقيم الظل والعود اعوج