عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان..يكتب منذ 15 من أبريل عام 2023 لم يعد الشعب السوداني يعيش حياة طبيعية بل أصبح يعيش في وطن أنهكته الحرب واستنزفته الأزمات وتحول فيه الأمل إلى انتظار طويل لا يعرف له نهاية وبينما تستمر العمليات العسكرية التي يصفها الجيش بحرب الكرامة يواصل المواطن السوداني دفع الثمن الأكبر من دمه وماله ومستقبله حتى أصبحت الكرامة بالنسبة للمواطن البسيط هي أن يجد رغيف خبز ودواء آمنا وسقفا يحتمي به وألا يستيقظ على صوت القذائف أو ينام على وقع الجوع والخوف لقد أصبح السوداني يعيش بين حرب لا تتوقف واقتصاد ينهار يوما بعد يوم وأسعار تشتعل بلا رحمة وعملة وطنية تفقد قيمتها بصورة غير مسبوقة ودولار يواصل الصعود حتى أصبح هو الحاكم الحقيقي للأسواق بينما يقف الجنيه السوداني عاجزا عن حماية قوت المواطنين أو مدخراتهم أو أحلامهم الصغيرة التي تبخرت تحت وطأة الأزمة كل صباح يحمل للمواطن خبرا جديدا عن ارتفاع الأسعار وكل مساء يحمل إليه نبأ جديدا عن سقوط ضحايا أو اتساع رقعة القتال وكأن حياة السودانيين أصبحت سلسلة متواصلة من الأخبار المؤلمة التي لا تنتهي فلا الحرب توقفت ولا الأسواق هدأت ولا الأمل وجد طريقه إلى قلوب الملايين الذين أصبحوا يعيشون تحت ضغط نفسي وإنساني واقتصادي غير مسبوق إن المواطن السوداني لم يعد يسأل من انتصر في الميدان لأنه يعلم أن الخاسر الحقيقي هو الشعب ولم يعد يبحث عن الشعارات الكبيرة لأنه أصبح يبحث عن أبسط مقومات الحياة يبحث عن رغيف خبز بسعر يستطيع دفعه ويبحث عن دواء لمريضه ويبحث عن مدرسة لطفله ويبحث عن راتب يكفي أسبوعا واحدا ويبحث قبل كل ذلك عن سلام يعيد إليه حقه في الحياة وفي الوقت الذي تتسابق فيه الشعوب نحو التنمية والاستقرار يجد السوداني نفسه يركض خلف الأسعار التي ترتفع أسرع من دخله ويطارد الدولار الذي يقفز كل يوم إلى مستوى جديد بينما تتراجع قيمة الجنيه بصورة مؤلمة حتى أصبحت الأسواق تفرض قوانينها على الجميع وأصبح الغلاء شريكا دائما للحرب في معاقبة المدنيين وكلما طال أمد الحرب ازدادت معاناة الناس واتسعت دائرة الفقر والجوع والنزوح وأصبحت الحياة الكريمة حلما بعيد المنال ولم يعد السؤال متى تنتهي الحرب بل كم بقي من قدرة هذا الشعب على الاحتمال وكم أسرة أخرى ستنزح وكم طفل آخر سيحرم من التعليم وكم مريض سيفقد حقه في العلاج وكم شاب سيغادر وطنه بحثا عن فرصة للحياة وفي ظل استمرار الحرب يزداد الحديث عن السلام بينما لا تزال المبادرات تتعثر وتتعقد المواقف السياسية والعسكرية ويظل المواطن هو الطرف الوحيد الذي يدفع الثمن فهو الذي يفقد أبناءه وممتلكاته ووظيفته وتعليمه ومستقبله بينما تستمر الحرب ويستمر معها نزيف الوطن المفارقة الأكثر قسوة أن المواطن السوداني أصبح مطالبا بالانتصار في معركة لا علاقة له بها فهو مطالب بأن ينتصر على الحرب وأن ينتصر على الجوع وأن ينتصر على الغلاء وأن ينتصر على انهيار العملة وأن ينتصر على انقطاع الخدمات وأن ينتصر على الخوف وفي النهاية يطلب منه أن يصبر أكثر وكأن الصبر أصبح السياسة الاقتصادية والاجتماعية الوحيدة المتبقية لقد أصبح الدولار أكثر استقرارا من حياة السوداني وأصبحت الأسعار أسرع حركة من أي عملية عسكرية وأصبح الجنيه السوداني هو الضحية الصامتة التي تسقط كل يوم دون أن يعلن لها الحداد وأصبحت الأسواق ساحات مواجهة لا تقل قسوة عن ساحات القتال لأن المواطن يدخلها وهو يعلم مسبقا أنه سيخرج خاسرا إن حماية المدنيين ليست خيارا سياسيا وإنما التزام قانوني وأخلاقي كما أن الحق في الحياة والحق في الغذاء والحق في الصحة والحق في مستوى معيشي لائق هي حقوق أصيلة لا يجوز أن تضيع وسط أصوات البنادق أو تحت وطأة الانهيار الاقتصادي ولا يمكن لأي انتصار عسكري أن يعوض شعبا فقد أمنه واستقراره واقتصاده وكرامته الإنسانية لقد تعب الشعب السوداني من انتظار النهاية وتعب من دفع فاتورة حرب لم يخترها ومن تحمل نتائج انهيار اقتصادي لم يصنعه ومن الوقوف في الصفوف الطويلة بحثا عن أبسط مقومات الحياة لقد آن الأوان لأن تصبح حياة الإنسان السوداني هي الأولوية وأن يتوقف نزيف الدم والاقتصاد معا لأن الأوطان لا تبنى بالحروب الممتدة ولا تستقر بارتفاع الأسعار ولا تزدهر بانهيار العملة وإنما تبنى بالسلام العادل وسيادة القانون وصون كرامة الإنسان وحماية حقه في الحياة. شارك تصفّح المقالات عدالة الابتزاز الدولي والإقليمي من يحاكم العالم عندما تصبح العدالة رهينة المصالح؟ نفاد فرص السلام… ولا عذر لمن أُنذر