الطيب مادري حسن

العودة الطوعية بين القانون الدولي والواقع السوداني

منذ أن أصبح اللجوء إحدى أبرز نتائج النزاعات المسلحة في العالم حرص القانون الدولي على وضع إطار قانوني يحمي اللاجئين ويصون حقوقهم وجعل من العودة الطوعية الحل الأكثر استدامة متى ما توافرت الظروف المناسبة فالعودة ليست مجرد انتقال جغرافي من دولة اللجوء إلى الوطنوإنما هي حق قانوني وإنساني ينبغي أن يمارس بحرية كاملة بعيدا عن الإكراه أو الضغوط السياسية أو الاقتصادية.

وهذا ما أكدته اتفاقية عام 1951م الخاصة بوضع اللاجئين إلى جانب بروتوكول عام 1967 ومبادئ القانون الدولي الإنساني أن العودة يجب أن تتم بصورة طوعية وآمنة وكريمةمع احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يمنع إجبار أي لاجئ على العودة إلى مكان قد يتعرض فيه للخطر أو الاضطهاد.

وفي الحالة السودانية فإن تطبيق هذه المبادئ يواجه تحديات معقدة فرضتها الحرب وما خلفته من دمار واسع للبنية التحتية وتراجع في الخدمات الأساسية ونزوح ولجوء بالملايين. لذلك فإن نجاح أي برنامج للعودة يتطلب معالجة الأسباب التي أدت إلى النزوح واللجوءوليس الاكتفاء بتنظيم رحلات العودة أو إصدار البيانات الرسمية

كما أن إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة تمثل حجر الزاوية في أي مشروع وطني للعودة الطوعية، لأن الإنسان لا يعود إلى وطنه بسبب الشعارات وإنما عندما يشعر بأن حياته وكرامته ومستقبل أطفاله ستكون في مأمن

بحيث تتوفر له اقل سبل الحياة

من الأمن والتعليم والصحة والحياه الكريمة ومن  زاوية أخرى فإن المجتمع الدولي لا يقيس نجاح برامج العودة بعدد العائدين فقط وإنما بقدرة هؤلاء العائدين على الاستقرار وعدم الاضطرار إلى النزوح مرة أخرى ولذلك فإن توفير السكن والتعليم والرعاية الصحيةوفرص العمل واستعادة سيادة القانون كلها عناصر لا تقل أهمية عن وقف إطلاق النار نفسه

إن السودان اليوم أمام فرصة تاريخية لتحويل ملف العودة الطوعية من قضية إنسانية مؤقتة إلى مشروع وطني لإعادة بناء الدولة والمجتمع لاسيما في حكومة السلام والوحدة

وإذا نجحت حكومة لسلام في توفير بيئة مستقرة وآمنة، فإن ملايين السودانيين سيختارون العودة بإرادتهم لأن الانتماء إلى الوطن يظل أقوى من سنوات الغربةمتى ما وجد الإنسان وطنا يحتضنه ويصون حقوقه

وفي نهاية المطاف فإن نجاح العودة الطوعية لن يقاس بعدد الرحلات التي تقل العائدين بل بعدد الأحلام التي تستعيدها الأسر السودانية وهي تعيد فتح أبواب منازلها، وتستأنف حياتها في وطن يسوده الأمن والعدالة وسيادة القانون.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *