حسن النعمان اللورد. ..يكتب

29 أغسطس 2026

 

إن ما يحدث بشأن تغيير العملة، وما رافقه من تعقيدات وتحديات في التعامل عبر تطبيق «بنكك»، ليس أمراً عادياً يمكن المرور عليه مرور الكرام، بل هو قضية بالغة الخطورة تمس حياة المواطنين وأموالهم وحقهم في الوصول إلى مدخراتهم، خصوصاً في ظل ظروف الحرب والنزوح وانهيار الخدمات.

 

والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: إلى أين يمضي هذا التضييق؟ ومن يدفع ثمنه؟ وهل تدرك حكومة «تأسيس» حجم الخطر الذي يمكن أن يترتب على مثل هذه الإجراءات؟

 

إن ما يقارب خمسة ملايين مواطن، وربما أكثر، في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، إضافة إلى أعداد كبيرة من السودانيين الموجودين في دول الجوار والذين يعتمدون على نظام «بنكك» في تحويل أموالهم واستلامها، قد وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد شديد القسوة. وهؤلاء ليسوا جميعاً تجاراً ولا أصحاب رؤوس أموال؛ بل إن الغالبية مواطنون بسطاء يعتمدون على هذه الأموال في الطعام والدواء ومصاريف الحياة اليومية.

 

المشكلة الأخطر أن هناك فئات من هؤلاء لا تستطيع الوصول إلى الخرطوم بسهولة، بسبب الحرب والطرق المغلقة والمخاطر الأمنية وبعد المسافات. وهناك مواطنون قد تكون الأموال الموجودة في حساباتهم أقل من تكلفة السفر أصلاً. فكيف يُطلب من إنسان يملك مبلغاً محدوداً في حسابه أن ينفق أضعافه لكي يصل إلى مكان يستطيع فيه تحديث بياناته أو استكمال إجراءات تتعلق بحسابه؟

 

هنا تتحول المسألة من مجرد إجراء مصرفي إلى أزمة إنسانية واجتماعية واقتصادية.

 

وإذا كانت الغاية الحقيقية هي مكافحة التلاعب أو حماية النظام المصرفي، فإن ذلك لا يمكن أن يتم على حساب المواطن البسيط، ولا يجوز أن تتحول إجراءات التحديث إلى فخ يُحاصر به الناس ويُمنعون من الوصول إلى أموالهم التي يعيشون منها.

 

والأخطر من ذلك أن هذه الإجراءات، في نظر كثير من المواطنين، تبدو وكأنها تستهدف مناطق بعينها وفئات بعينها، خصوصاً أبناء دارفور وكردفان والنيل الأزرق. وإذا كان هذا الانطباع صحيحاً، فإن الأمر لا يتعلق فقط بالمال، وإنما يمس الثقة بين المواطن والدولة، ويعمّق الإحساس بالتهميش والتمييز في وقت يحتاج فيه السودان إلى عكس ذلك تماماً.

 

التاريخ يعيد نفسه

 

السودانيون لديهم ذاكرة سياسية ومصرفية مؤلمة. ففي عام 1989، ومع وصول نظام الإنقاذ إلى السلطة، شهد السودان إجراءات قاسية طالت أموال المواطنين وحساباتهم، وترافقت مع سياسات أدت إلى مصادرة ممتلكات وإفقار قطاعات واسعة من المجتمع، في ظل نظام حكم استخدم القوة والسلاح وأدوات الدولة لفرض سياساته.

 

واليوم، يخشى كثيرون من أن يتكرر المشهد بصورة مختلفة وأكثر حداثة.

 

فبدلاً من المصادرة المباشرة، يمكن أن يصبح تعقيد الوصول إلى الأموال وتجميد القدرة على استخدامها وسيلة أكثر هدوءاً، لكنها قد تكون شديدة التأثير على المواطن. التكنولوجيا هنا يمكن أن تكون أداة لخدمة الناس، لكنها قد تتحول، إذا أسيء استخدامها، إلى وسيلة للضغط عليهم.

 

وهنا تحديداً يجب أن تنتبه «تأسيس» إلى ما يجري.

 

هل انتبهت «تأسيس» إلى الفخ؟

 

السؤال ليس موجهاً إلى المواطنين وحدهم، وإنما إلى حكومة «تأسيس» نفسها:

 

هل عرفت حقيقة ما يجري؟ وهل انتبهت إلى الآثار السياسية والاجتماعية لهذه الإجراءات؟ وهل تدرك أن المواطن الذي يفقد القدرة على الوصول إلى ماله لن ينظر إلى الأمر باعتباره مجرد تحديث بيانات أو إجراء مصرفي؟

 

إذا كانت «تأسيس» تريد أن تقدم نفسها باعتبارها مشروعاً سياسياً مختلفاً، فعليها أن تكون أول من يحمي مواطنيها من أي إجراء يمكن أن يظلمهم أو يحاصرهم أو يعاقبهم جماعياً.

 

فالسياسة لا تُقاس بالشعارات، وإنما بقدرة السلطة على حماية أضعف مواطنيها.

 

ما الذي يُحاك ضد هذه الفئات؟

 

إن ما يجري لا يمكن فصله عن التاريخ الطويل للصراع السياسي في السودان، وعن حالة الاستقطاب التي جعلت بعض القوى تنظر إلى المواطنين وفق مناطقهم وانتماءاتهم الجغرافية والسياسية.

 

وقد ظل أبناء دارفور وكردفان والنيل الأزرق، في مراحل مختلفة من تاريخ السودان، يدفعون أثماناً باهظة بسبب الصراعات السياسية والعسكرية.

 

لذلك فإن أي قرار مالي أو مصرفي يمس قدرتهم على الوصول إلى أموالهم يجب أن يخضع لأقصى درجات التدقيق والشفافية، حتى لا يتحول إلى أداة جديدة من أدوات الإقصاء.

 

ولا يكفي أن تقول الجهات المسؤولة إن الأمر مجرد «تحديث» أو «إجراء فني». المواطن يريد أن يعرف: كيف يحصل على ماله؟ أين يذهب؟ وما البدائل المتاحة لمن لا يستطيع السفر؟ ومن يتحمل تكلفة هذا الإجراء؟ وماذا يحدث لمن تعذر عليه تنفيذ التحديث بسبب الحرب أو النزوح أو وجوده خارج السودان؟

 

هذه أسئلة مشروعة، وليست اعتراضاً على تنظيم القطاع المصرفي.

 

المواطن ليس عدواً

 

أخطر ما يمكن أن تقع فيه أي حكومة هو أن تنظر إلى مواطنيها باعتبارهم خصوماً أو أرقاماً يجب إخضاعها.

 

المواطن الذي يطالب بماله ليس عدواً.

 

والنازح الذي يريد الوصول إلى مدخراته ليس تاجراً.

 

والمرأة التي تعتمد على تحويل مالي من قريب لها في الخارج ليست جزءاً من شبكة مالية.

 

والأسرة التي تنتظر مبلغاً بسيطاً لتشتري الطعام أو الدواء لا علاقة لها بالصراع السياسي.

 

هؤلاء مواطنون يريدون فقط أن يعيشوا.

 

ولهذا فإن أي سياسة مالية أو مصرفية يجب أن تبدأ من سؤال واحد: كيف نحمي المواطن ولا نعاقبه؟

 

المطلوب من «تأسيس»

 

إذا كانت حكومة «تأسيس» جادة في حماية مواطنيها، فعليها أن تتعامل مع هذه القضية باعتبارها أولوية عاجلة، وأن تطالب بتوفير حلول حقيقية للمواطنين داخل السودان وخارجه، خصوصاً لمن يعيشون في مناطق الحرب أو النزوح أو دول الجوار.

 

كما يجب ألا يُترك المواطن أمام خيارين: إما السفر لمسافات طويلة وتحمل مخاطر الحرب وتكاليفها، أو فقدان القدرة على الوصول إلى ماله.

 

هذه ليست عدالة.

 

السودان اليوم يحتاج إلى بناء الثقة، لا إلى هدمها. ويحتاج إلى جمع الناس حول الدولة، لا إلى دفعهم للشعور بأن الدولة تعاقبهم بسبب أماكنهم أو مواقفهم أو انتماءاتهم السياسية.

 

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الإجراءات المصرفية إلى وسيلة من وسائل العقاب الجماعي، وأن تتحول التكنولوجيا من أداة لتسهيل حياة المواطن إلى جدار يفصل المواطن عن ماله.

 

فهل تنتبه «تأسيس» قبل فوات الأوان؟

 

وهل تدرك أن ما يبدو للبعض قراراً مصرفياً بسيطاً قد يتحول، في ظل الحرب والانقسام والنزوح، إلى أزمة سياسية وإنسانية واسعة؟

 

إن الحركة الإسلامية، بحسب قراءة كثير من خصومها، لم تتخلَّ عن أساليبها في استخدام أدوات الدولة للضغط على من يختلف معها. وإذا كان هناك اليوم من يحاول إعادة إنتاج تلك الأساليب بصورة جديدة وأكثر دهاءً، فإن المسؤولية تقع على «تأسيس» في أن ترفض ذلك بوضوح، وأن تجعل المواطن وحقوقه فوق الحسابات السياسية.

 

فالمال مال المواطن، والدولة وظيفتها حمايته لا التضييق عليه.

 

والتاريخ لا يرحم من يكرر أخطاء الماضي، خصوصاً عندما تكون الضحية هذه المرة مواطناً أعزل، لا يملك سوى القليل الذي يعيش منه.

 

حسن النعمان اللورد.

29 أغسطس 2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *