تأخر تحالف «تأسيس» في موقفه من مصر

 

قراءة سياسية بلا لوم

 

الحبيب محمد يونس

 

بالنظر إلى ما راكمته سنوات الحرب الجارية من نقاشات وتحليلات وتقارير موثوقة حول الدور المصري في الحرب السودانية يصبح تأخر تحالف «تأسيس» في إعلان موقف واضح من هذا الدور أمرًا لافتًا هذا التوقف لا يُسجَّل من باب اللوم أو المزايدة السياسية، بل من باب تثبيت موقف سياسي وأخلاقي فرضته الوقائع على الأرض فالحقيقة مهما تأخر الاعتراف بها تظل حقيقة.

 

مصر منذ اليوم الأول للحرب لم تكن محايدة ولم تتخذ مسافة واحدة من أطراف الصراع بل انحازت بوضوح لمعسكر الحرب وقدّمت دعمها لجيش الحركة الإسلامية، وهو دعم لم يكن سياسيًا فحسب بل تُرجم عمليًا إلى دعم عسكري لقتل المدنيين السودانيين عبر قصف القرى والفرقان، واستهداف الأسواق، ورموز الإدارة الأهلية، وتدمير ممنهج للبنية التحتية.

 

ومع ذلك لا يمكن تجاهل أن تحالف «تأسيس» كيان سياسي ناشئ يعمل في بيئة إقليمية شديدة التعقيد ويدير ملفه الخارجي بحسابات دقيقة قد لا تكون كلها مرئية للرأي العام فالتأخر في إعلان الموقف لا يعني بالضرورة غياب الرؤية وقد يعكس تقديرًا استراتيجيًا لتشابكات الصراع الإقليمي ومحاولة لتجنب حرق المراحل أو الوقوع في ردود فعل انفعالية مهما كانت المبررات الأخلاقية قوية ومشروعة.

 

لكن في المقابل فإن الوقائع على الأرض لا تحتمل كثيرًا من الصمت فالقصف الذي دمّر المصانع والشركات والمرافق العامة في الخرطوم ومعظم ولايات السودان لم يكن فعلًا سودانياًولا نتاجًا لقدرات الطيران السوداني بل كان تدميرًا متعمدًا استهدف إخراج السودان من دائرة الإنتاج لسنوات طويلة تمتد الى ما بعد الحرب الهدف واضح منه إضعاف الاقتصاد الوطني تمهيدًا لإعادة ربط السودان بمنظومة التبعية لمصر عبر استيراد المنتجات الجاهزة مقابل استمرار نهب المواد الخام هذه ليست قراءة عاطفية بل تحليل سياسي لمسار متكرر في تاريخ العلاقة غير المتكافئة بين البلدين.

 

مصر بهذا السلوك لا يمكن أن تدعي دور الوسيط أو صانع السلام واقل ما توصف به دولة عدوان وهي طرف غارق في الصراع وحساباتها تتناقض جذريًا مع قيام سودان جديدة مستقل بجيش قومي مهني وإرادة وطنية حرة، ومع تصاعد وعي السودانيين لا سيما قوى الهامش وقوى الثورة يقترب هذا الدور الاستعماري من نهايته وهو ما تخشاه الجارة الضارة مصر التي اعتادت النظر إلى السودان كساحة نفوذ ومخزن موارد لا كدولة ذات سيادة وشعب له حقوق.

 

إن ما ارتكبته السلطات المصرية المتعاقبة من دعم مباشر وغير مباشر لقتل السودانيين الأبرياء سيبقى وصمة تاريخية لا تمحوها البيانات ولا تغطيها ادعاءات حسن النية هذا العدوان يضع سيؤسس لقطيعة عميقة قد تتوارثها الأجيال لأن الدم لا يُنسى والسيادة لا تُساوَم.

 

السودان سيظل للسودانيين. والسلام لا يُبنى بالمجاملات ولا بالصمت ولا بتدوير الزوايا بل بالوضوح والشجاعة في تسمية الأشياء بأسمائها مهما تأخر ذلك الوضوح.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *