لم تعد الحرب في السودان مجرد أزمة أمنية عابرة، بل أصبحت خللاً بنيوياً في بناء الدولة، يعكس عجز النظام السياسي المتعاقب عن إدارة التنوع الوطني ضمن إطار دستوري وقانوني عادل. فاستمرار اللجوء إلى العنف المسلح بوصفه أداة لحسم الخلافات السياسية يُعد فشلاً مباشراً لفكرة الدولة الحديثة، وانتهاكاً صريحاً لمبدأ احتكار السلطة العامة لاستخدام القوة وفقاً للقانون.

 

منذ اندلاع الحرب الأهلية الأولى عام 1955، ظل السودان يدفع ثمن غياب العقد الاجتماعي القائم على المواطنة المتساوية وسيادة حكم القانون. تلك الحرب، وما تلاها من نزاعات مسلحة، لم تستنزف الموارد العامة فحسب، بل أفضت إلى انهيارات دستورية متتالية، وانتهت بانفصال جزء عزيز من الوطن، في سابقة تؤكد أن تجاهل العدالة السياسية والقانونية يقود حتماً إلى تفكك الدولة.

 

وفي دارفور، مثّلت عسكرة المظالم الاجتماعية والاقتصادية نتيجة مباشرة لفشل الدولة في بسط العدالة وتطبيق مبدأ المساواة أمام القانون. وقد ترتب على ذلك نزاع مسلح خلّف جرائم جسيمة، وانتهاكات واسعة، وأدخل السودان في نطاق المساءلة الدولية، مقيّداً سيادته، ومضعفاً قدرته على اتخاذ قراره الوطني المستقل.

 

كما كشفت النزاعات في جنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان عن نمط متكرر: مطالب مشروعة لا تجد طريقها إلى المعالجة المؤسسية، فتتحول إلى نزاع مسلح، ثم إلى تسويات سياسية هشة لا تعالج جذور الأزمة. والنتيجة واحدة في كل مرة: دولة ضعيفة، مؤسسات مشلولة، وتنمية مؤجلة إلى أجل غير معلوم.

 

الثابت في كل هذه النزاعات أن أطرافها لا تنتمي إلى كيانات متعارضة أو مجتمعات منفصلة، بل إلى نسيج اجتماعي واحد، تجمعه روابط دم ونسب ومصاهرة وتاريخ مشترك. إن أي خطاب سياسي أو قانوني يتجاهل هذه الحقيقة الموضوعية، ويؤسس للصراع على أساس الانقسام الإثني أو الجهوي، إنما يشرعن للعنف ويقوّض أسس السلم الأهلي.

 

إن تراكم الحروب الداخلية أنتج واقعاً خطيراً يتمثل في تآكل مبدأ سيادة القانون، وتطبيع الإفلات من العقاب، وتحويل السلاح إلى وسيلة لاكتساب الشرعية السياسية. وهذا الواقع يتعارض بصورة مباشرة مع أبسط قواعد الدولة الدستورية، التي تقوم على خضوع الجميع، حكّاماً ومحكومين، للقانون دون استثناء.

 

التجربة السودانية تؤكد أن الاتفاقات السياسية التي تُبرم تحت ضغط السلاح، أو خارج إطار إصلاح مؤسسي شامل، تظل اتفاقات مؤقتة، قابلة للانهيار، لأنها لا تعالج جوهر الأزمة المتمثل في غياب العدالة، وضعف المؤسسات، وانعدام الثقة في النظام القانوني. ولهذا ظلت أسباب النزاع كامنة، تعاود الظهور مع كل انتقال سياسي هش.

 

إن الخروج من هذا المأزق التاريخي يقتضي إعادة تأسيس الدولة على قاعدة دستورية جديدة، تقوم على المواطنة المتساوية، والفصل الحقيقي بين السلطات، واستقلال القضاء، وحياد النيابة العامة، وتجريم حمل السلاح خارج إطار الدولة. كما يقتضي تبني منظومة عدالة انتقالية وطنية، توازن بين المساءلة القانونية وجبر الضرر والمصالحة المجتمعية، بما يمنع الإفلات من العقاب ويحول دون إعادة إنتاج العنف.

 

إن وقف الحرب ليس إجراءً سياسياً مؤقتاً، بل التزاماً قانونياً وأخلاقياً يترتب عليه واجب دستوري في حماية الحق في الحياة، والأمن، والكرامة الإنسانية. وأي سلطة تتقاعس عن إنهاء النزاع المسلح، أو تستثمر في استمراره، تتحمل مسؤولية تاريخية وقانونية عن تعطيل الدولة وتقويض مستقبلها.

 

السلام في السودان لا يتحقق بالشعارات، ولا بتوازنات القوة، بل بإرادة سياسية تنحاز لحكم القانون، وتعيد الاعتبار للمؤسسات، وتُخضع الجميع للمساءلة. وحدها دولة القانون والمساواة وقبول الآخر قادرة على إنهاء الحلقة الجهنمية للحروب، واستعادة السودان لمساره الطبيعي كدولة موحدة، مستقرة، وقادرة على النهوض.

نواصل

عبدالعزير بخات المحامي

والمستشار القانوني

والمدافع عن حقوق الإنسان

 

 

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *