منعم سليمان حين يتحدّث الفريق أول عبد الفتاح البرهان عن بناء “جيش ذكي”، يخال إليك أن الذكاء نفسه قد استقال من القواميس احتجاجًا. فالرجل الذي يقود حربًا مستعرة منذ أبريل 2023، ويشرف على واحدة من أكثر المآسي تعقيدًا في تاريخ السودان الحديث، يبشّرنا الآن بجيش يعتمد على التكنولوجيا، والطائرات المسيّرة، وأنظمة الدفاع الجوي، وكأن المعضلة كانت في نقص الشرائح الإلكترونية لا في عطب الرؤية. الذكاء، في تعريفه البسيط، هو القدرة على تقدير العواقب. أما أن تُشعل حربًا داخل العاصمة، وتتركها تتمدّد كحريق في هشيم الدولة، ثم تتحدّث عن “إدارة عمليات عسكرية ذكية”، فذلك أقرب إلى طلاء سفينة تغرق. الطائرات المسيّرة التي صارت عنوان المرحلة لم تُغيّر طبيعة المأساة بقدر ما عمّقت اعتماد طرفي الصراع على أدوات القتل عن بُعد، بينما ظلّ الإنسان السوداني في قلب المشهد، هدفًا لا مشغّلًا. يقول البرهان إن لا حلول سوى “القضاء على التمرد”. عبارة حاسمة، لكنها تختزل السياسة في فوهة بندقية، وتحوّل الوطن إلى ساحة تصفية حسابات صفرية. كل حرب تبدأ بيقين مطلق وتنتهي بأسئلة معلّقة. غير أن يقين القيادة يبدو صلدًا إلى حد إنكار الواقع: مدن مدمّرة، اقتصاد منهك، وملايين بين نازح ولاجئ… وجوع قاتل! ثم تأتي نبرة الصفح والعفو، وأبواب التوبة المفتوحة، كفاصل أخلاقي في مسرحية عسكرية. مفارقة لافتة: اليد التي تُقسم بالمضي حتى “النهايات”، هي نفسها التي تلوّح بالغفران. لعلّ “الجيش الذكي” المقترح سيجد خوارزمية تفسّر هذا الجمع بين الاستئصال والاستيعاب في جملة واحدة. المعضلة ليست في استقطاب الكوادر الهندسية الشابة، ولا في تحديث منظومات الدفاع. المعضلة في عقل سياسي يرى في الحرب أفقًا، وفي الحسم العسكري خلاصًا. الذكاء المؤسسي يبدأ بالاعتراف بالأخطاء، وبفهم أن الجيوش لا تُقاس بعدد المسيّرات، بل بقدرتها على صون الدولة لا استنزافها. إن كان ثمة إصلاح بنيوي وهيكلي مطلوب، فبوابته الأولى مساءلة القيادة قبل تحديث العتاد. أما “الجيش الذكي” تحت القيادة ذاتها، فسيظل عنوانًا براقًا لواقع مرتبك؛ شعارًا تقنيًا يغطي عطب القرار. وفي السياسة كما في الحرب، لا تنفع الشرائح الذكية إذا ظلّ العقل معلّقًا خارج الخدمة. كفاك غباءً ودماءً، أيها الرجل. شارك تصفّح المقالات عبدالعزيز بخات المحامي يكتب … الجنة ليست في فوهة بندقية صباح محمد الحسن تكتب : قتل الضِعف !!