عبدالعزيز بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان

 

في ظل ما يشهده السودان من نزيف مستمر للدماء تتعالى الأصوات المطالبة بكف الحركة الإسلامية عن استغلال الدين في تعبئة الشباب ودفعهم إلى ساحات القتال تحت شعارات مقدسة فقد آن الأوان لوقف قتل الشباب والشعب السوداني باسم الدين ولإعادة الاعتبار لجوهر الإسلام بوصفه رسالة رحمة وعدل وبناء لا أداة صراع وتصفية حسابات سياسية إن حماية أرواح السودانيين وصون كرامتهم واجب ديني وأخلاقي قبل أن يكون مطلبا وطنيا

 

هل صار الدين في وعينا المعاصر مرادفا للحرب وهل اختزلت الجنة في فوهة بندقية وهل كتب على الشعب السوداني أن يعبر إلى رضوان الله عبر دماء أبنائه وحدهم دون سائر خلق الله

أي فهم هذا الذي يحصر الطريق إلى الجنة في ساحات القتال فقط وكأن العمل الصالح والعدل والرحمة وإعمار الأرض لا وزن لها في ميزان السماء وهل تحولت نصوص الدين إلى شعارات تعبئة وزج بالشباب في معارك لا تنتهي تحت لافتة مقدسة لا يجوز الاقتراب منها أو مساءلتها

ألم يقل الله تعالى ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق في القرآن الكريم فكيف أصبح القتل خطابا يوميا يزين للشباب ويقدم لهم على أنه أقصر الطرق إلى الجنة ومن الذي منح نفسه سلطة توزيع صكوك الشهادة ومن الذي أقنع الأمهات أن فقدان فلذات أكبادهن هو قدر محتوم باسم الدين

أليس الدين في جوهره دعوة إلى الحياة الكريمة وإلى صون الدماء وإلى قبول الآخر مهما اختلف معنا في الرأي أو السياسة أو القبيلة أم أن البعض قرر أن يختطف الإيمان ليجعله وقودا لحروب عبثية تلتهم السودان شبابه وأرضه ومستقبله

كيف نقبل أن يختزل مستقبل وطن كامل في ثقافة موت وكيف نقنع أنفسنا أن الله لا يقبلنا إلا إذا تقاتلنا وكيف نغفل أن بناء المدارس والمستشفيات وإرساء العدل وإطفاء نار الفتنة أعظم عند الله من إشعالها

إن ربط دخول الجنة بالحرب فقط تزوير لرسالة الدين وتشويه لمقاصده وتحويل لعقيدة الرحمة إلى أداة تحريض وإن زج الشباب السوداني في أتون القتال باسم الإسلام ليس بطولة بل استنزاف منظم لجيل كان الأجدر به أن يقود نهضة وطن لا أن يدفن تحت ترابه

أليس الأولى أن نسأل لماذا لا يكون طريق الجنة عبر المصالحة الوطنية وعبر وقف نزيف الدم وعبر الاعتراف بحق الآخر في الحياة والكرامة أليس الأولى أن نبني دولة سودانية محترمة تقوم على سيادة القانون والمواطنة المتساوية بدل أن نبني مقابر جديدة كل يوم

إن قبول الآخر ليس ضعفا بل قوة أخلاقية وإن نبذ ثقافة القتل ليس خيانة بل وفاء لجوهر الدين وإن السودان لن ينهض ما دام بعضنا يصر على أن طريق السماء يمر حصرا عبر ساحة حرب

فإلى متى يبقى شباب السودان وقودا لشعارات دينية مسيسة وإلى متى نظل نبيع لهم وهما اسمه الجنة عبر الموت بينما الجنة الحقيقية تبدأ بإحياء قيمة الإنسان وصون دمه وبناء وطن يتسع للجميع دون إقصاء أو تكفير أو تحريض

 

نواصل

بمشئة الله

24 فبراير 2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *