عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان إن الحروب التي اندلعت في السودان ليست حدثا عارضا ولا نتيجة مطالب عابرة وإنما هي حصيلة تراكم تاريخي ممتد من سياسات التهميش والإقصاء واحتكار السلطة والثروة منذ ما بعد الاستقلال مرورا بالأنظمة العسكرية المتعاقبة وعلى رأسها نظام تنظيم الإخوان المسلمين الذي أحكم قبضته على مفاصل الدولة وأعاد إنتاج المركز بصورة أكثر شراسة وتنظيما لقد تأسست الدولة السودانية الحديثة منذ استقلالها عام 1956 في السودان على بنية مختلة في توزيع السلطة والثروة حيث تركز القرار السياسي والاقتصادي في يد نخبة محدودة داخل المركز بينما جرى تهميش الأقاليم وحرمانها من نصيبها العادل في التنمية والخدمات والتمثيل السياسي هذا الخلل البنيوي لم يكن مجرد خطأ إداري بل كان سياسة ممنهجة اعتمدت على مبدأ فرق تسد لإضعاف الأطراف وإدامة السيطرة ومن الناحية القانونية فإن مبدأ المواطنة المتساوية هو حجر الأساس لأي دولة حديثة وهو مبدأ مستقر في الفقه الدستوري والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان غير أن الواقع السوداني شهد انتهاكا ممنهجا لهذا المبدأ عبر التمييز السياسي والاقتصادي واستغلال الدين والقبلية والجهوية كأدوات تعبئة وتحشيد وتأليب مما قاد إلى صراعات مسلحة أنهكت البلاد وأهدرت أرواح أبنائها إن الزج بالدين في الصراع السياسي وتحويله إلى أداة للشرعنة والحشد القتالي يمثل انحرافا خطيرا عن مقاصده السامية ويؤسس لشرخ مجتمعي عميق كما أن عسكرة الدولة وتسييس القوات النظامية وتمكين جماعات بعينها من مفاصل السلطة حرم السودان من فرص الاستقرار وأدخل البلاد في دوامة من الحروب الأهلية التي عطلت مسيرة التنمية وأفقرت الشعب وأخرت الدولة عقودا عن ركب التقدم والازدهار الحرب في السودان لم تكن قدرا محتوما بل كانت نتيجة مباشرة لخيارات سياسية خاطئة وإرادة سلطوية احتكرت القرار وأقصت الآخر وعليه فإن المسؤولية التاريخية والسياسية تقع بدرجة أساسية على المركز الحاكم وبصورة خاصة على تنظيم الإخوان المسلمين الذي صاغ مشروعه على أساس التمكين والإقصاء لا على أساس الشراكة الوطنية والعدالة إن استمرار الحرب يعني خصم أعمار الأجيال من مستقبلها واستنزاف موارد الدولة وتفكيك نسيجها الاجتماعي ولا يمكن بناء دولة القانون والمؤسسات في ظل فوهة البندقية ولا يمكن تحقيق التنمية في ظل اقتصاد حرب قائم على الغنيمة والولاء إن المطلوب اليوم هو تفكيك بنية الاحتكار وإعادة تأسيس الدولة على قاعدة المواطنة المتساوية والعدالة الانتقالية والمساءلة القانونية وإقرار عقد اجتماعي جديد يعترف بالتنوع ويضمن المشاركة العادلة في السلطة والثروة إن نبذ الحرب ليس موقفا عاطفيا بل هو ضرورة قانونية وسياسية وتاريخية لإنقاذ الدولة السودانية من الانهيار الكامل ووضعها على مسار الرقي والتقدم والازدهار فالسودان يستحق دولة تسع جميع أبنائه لا مركزا يحتكرهم ولا حربا تلتهمهم نواصل بمشيئة الله بتاريخ ٢٥ /فبراير /2026 شارك تصفّح المقالات صباح محمد الحسن تكتب : قتل الضِعف !! الجميل الفاضل يكتب: “حميدتي”.. هل يعيد ترتيب دروبه على خطى الصدق والاعتراف؟ (3)