الجميل الفاضل أطلق القائد حميدتي، في لقائه بعنتيبي يوم الجمعة الماضي، سؤالاً مفتاحياً بقوله: “أنا غايتو الحركة الإسلامية دي، الناس ديل شياطين ولا بشر؟ أنا والله ما عارف وبستغرب”. صحيح أن هذا السؤال يلامس جوهر هذه الحركة، التي أضحى قادتها وأفرادها هم أنفسهم مهابط ومنصات لتنزلات شيطانية على أرض السودان لأكثر من ثلاثة عقود ونصف. أنشأوا خلالها أول دولة للنفاق الخالص؛ إنسانها كذّاب، يقول ما لا يفعل، وما لا يؤمن به أصلاً، ويعبّر عمّا ليس في نفسه حقاً، ويتزيّن بما لا يحمله قلبه، ويُظهر ما لا يُبطن، ويُعلن ما لا يُخفي ويُضمر. تقوم حياته كلها على هذا النمط من الازدواجية الغريبة. له مواقف معلنة وأخرى مبطنة، له علانية مقبولة وسريرة ممقوتة، له كلام لين لطيف وقلب قاسٍ حقود حسود. وللحقيقة، فإن الإنسان عموماً، إذا لم يكن صادقاً، فهو لا محالة منافق؛ لأن الكذب والنفاق هما في الأصل وجهان لعملة واحدة. فكما أن الإيمان أساسه الصدق، فإن النفاق أساسه الكذب. ولذا أعتقد أن حميدتي نفسه، لو كان صادقاً حقاً، كما أعتقد وأظن، فلا بد أن ينتفع بصدقه هذا في الدنيا، وفي صراعه الماثل الآن، قبل انتفاعه به في أخراه، وفقاً لمنطوق الآية الكريمة: “قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم”. وللحقيقة أيضاً، فإن الله لا يتعامل مع الناس بأماني نفوسهم فقط، ولا يجازي مجرد رغباتهم في التزيّن بصدقٍ غير صادق. ولعل من أولى ثمار الصدق، بردَ يقينٍ وطمأنينةً يجدها المرء في قلبه. ولذلك تجد أن الكذّاب والمنافق دائماً في قلق، ودائماً في ريب، ودائماً في شك؛ فالصدق هو بندول الاستواء بين السر والعلانية، وهو الصوت الذي يصدع بالحق حتى في مواطن الخطر والهلكة. وكمعيار بسيط للفرز، قال الحسن البصري: “ما أمن النفاق إلا منافق، وما خاف النفاق إلا مؤمن”. بل وعطفاً على سؤال حميدتي: هل هؤلاء الإسلاميون شياطين أم بشر؟ كان الكاتب المحبوب عبد السلام قد أشار إلى أن “نظام الإنقاذ” ما هو سوى: “مسرحية من تأليف شيطان هازئ ساخر”، مبيناً أنه شيطان لم يهبط علينا من السماء، ولكنه شيطان — يقول المحبوب — من صنع أنفسنا. المهم، أياً ما كان نوع الشياطين التي صنعت “الإنقاذ”، أو تلك التي صنعتها الحركة الإسلامية التي صنعت “الإنقاذ”، فالأمر في اعتقادي سيّان. إذ من سنن الله أنه جعل في الأرض ثقلين: إنسٌ وجانّ، خرج من كليهما مخرجان: مخرج صالح ومخرج طالح. المخرج الصالح هم “أولياء الله”، والمخرج الطالح هم “أولياء الشيطان”؛ ذلك الشيطان الذي يتبادل هو وأولياؤه الوحي بعضهم إلى بعض، يزخرفون القول غروراً. لينتج عن هذا التواصل الخبيث زوجان من الشياطين: نوع نسمعه ونراه ونكلمه، وصنف آخر من ورائه يرانا ولا نراه؛ هؤلاء “شياطين الإنس”، وأولئك “شياطين الجن”. إذ حيثما حلّ بأرضٍ الأفاكون الآثمون الكذّابون الخراصون من الإنس، حلّت معهم شياطين الجن على تلك الأرض ذاتها، نعلاً بنعل وكتفاً بكتف. فقد قال تعالى: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ). بل ولنحو ثلاثة عقود ونيف، ظلّ — في ظني — هذا التحالف بين شياطين الإنس وشياطين الجن قائماً هنا، بغلبته التي أدت إلى شيطنة أرض السودان نفسها، ومحقها، ونزع بركتها، وجعلها مرتعاً خالصاً لتحالف هذين النوعين من الشياطين. ذلك التحالف الذي كشف تعالى سرّه بقوله: “إن المنافقين كانوا إخوان الشياطين” — هكذا ضربة لازب. شارك تصفّح المقالات عبدالعزير بخات المحامي يكتب …الحرب ومسؤولية المركز