عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان في كل مرة تلوح فيها بارقة أمل لوقف الحرب في السودان تخرج قوى الظلام من جحورها لتعلن حربا أخرى حربا ضد السلام نفسه تلك القوى ليست مجهولة وليست طارئة على المشهد بل هي ذاتها التي ظلت لعقود تمسك بخيوط الدولة وتعيد إنتاج الأزمات كلما اقترب السودانيون من لحظة الخلاص إن الحركة الإسلامية التي حكمت البلاد بالحديد والنار لعقود لم تتعامل مع السلام يوما باعتباره قيمة وطنية أو ضرورة إنسانية بل نظرت إليه دائما باعتباره تهديدا مباشرا لسلطتها ولمشروعها القائم على احتكار الدولة وتجييرها لمصلحة تنظيم مغلق من هنا يصبح عرقلة السلام استراتيجية ثابتة وليست مجرد رد فعل عابر فالحركة الإسلامية تعلم يقينا أن أي سلام حقيقي يعني فتح ملفات الجرائم والانتهاكات ويعني قيام دولة القانون والمساءلة ويعني نهاية الامتيازات التي راكمتها عبر سنوات طويلة من السيطرة على مؤسسات الدولة ولذلك فإنها تستخدم جملة من الأدوات السياسية والأمنية والإعلامية والاجتماعية لإبقاء البلاد في دائرة الفوضى والحرب أولى هذه الأدوات هي اختطاف المؤسسة العسكرية وتسييسها بحيث تتحول من مؤسسة وطنية مهمتها حماية البلاد إلى أداة في يد مشروع أيديولوجي ضيق فقد عملت الحركة الإسلامية منذ انقلابها على تفكيك المهنية العسكرية وإحلال الولاء التنظيمي محل الكفاءة والحياد فأصبحت أجزاء واسعة من المؤسسة العسكرية أسيرة لدوائر تنظيمية تعمل وفق حسابات الحركة وليس وفق مصلحة الدولة وهذه السيطرة غير المشروعة تجعل الحرب خيارا دائما لأنها توفر البيئة المثالية لبقاء النفوذ القديم وتعطل أي عملية انتقال سياسي حقيقي الأداة الثانية هي صناعة خطاب التخويف والتحريض إذ تعتمد الحركة الإسلامية على خطاب سياسي وإعلامي قائم على بث الرعب في المجتمع وتصوير أي عملية سلام على أنها مؤامرة خارجية أو محاولة لتفكيك الدولة أو استهداف للدين والهوية وبهذه الطريقة يتم تحويل النقاش السياسي حول السلام إلى معركة وجودية مشحونة بالعاطفة والتضليل فيتراجع العقل وتتصدر الأصوات المتطرفة المشهد الأداة الثالثة هي استخدام شبكات المصالح الاقتصادية التي تكونت خلال سنوات الحكم الطويلة فالحرب بالنسبة لكثير من مراكز النفوذ المرتبطة بالحركة الإسلامية ليست مجرد صراع سياسي بل هي اقتصاد كامل قائم على التهريب والاحتكار والسيطرة على الموارد ولذلك فإن هذه الشبكات تعمل على تمويل الفوضى وإطالة أمد الصراع لأنها ببساطة تحقق أرباحا ضخمة من استمرار الانهيار أما الأداة الرابعة فهي توظيف الانقسام الاجتماعي والقبلي والجهوي فقد أدركت الحركة الإسلامية منذ وقت مبكر أن المجتمع المنقسم يسهل التحكم فيه ولذلك غذت الصراعات المحلية وأعادت إنتاج خطاب الكراهية والتمييز حتى يصبح السلام أمرا صعب التحقيق فكلما زادت الشروخ داخل المجتمع تراجعت فرص بناء توافق وطني واسع حول إنهاء الحرب الأداة الخامسة تتمثل في الحرب الإعلامية المنظمة إذ تمتلك الحركة الإسلامية شبكة واسعة من المنابر الإعلامية والكتائب الإلكترونية التي تعمل ليل نهار على تشويه دعاة السلام وتخوين القوى المدنية وإغراق الفضاء العام بسيل من الشائعات والدعاية المضللة الهدف من ذلك ليس إقناع الناس بالحرب بقدر ما هو إرباك الرأي العام وإضعاف الثقة في أي مبادرة سياسية يمكن أن تفتح الطريق أمام التسوية الأداة السادسة هي تعطيل المسارات القانونية والعدلية فالحركة الإسلامية تدرك أن السلام الحقيقي يقود بالضرورة إلى العدالة ولذلك تعمل على تقويض أي مسار للمحاسبة سواء عبر التأثير على مؤسسات العدالة أو عبر خلق بيئة سياسية تجعل المطالبة بالمحاسبة تبدو وكأنها تهديد للاستقرار وهكذا يتحول الإفلات من العقاب إلى قاعدة راسخة تحمي منظومة الفساد والانتهاكات كما تستخدم الحركة الإسلامية أداة أخرى لا تقل خطورة وهي إعادة إنتاج خطاب الوطنية الزائف فهي تحاول تقديم نفسها باعتبارها الحارس الوحيد للدولة بينما تصور خصومها باعتبارهم عملاء أو أدوات لقوى خارجية وبهذه الحيلة يتم احتكار مفهوم الوطنية وتوجيهه ضد أي مشروع ديمقراطي أو أي مبادرة سلام حقيقية إن هذه الأدوات مجتمعة تشكل منظومة متكاملة هدفها إبقاء السودان أسيرا لدائرة العنف والاضطراب لأن السلام بالنسبة للحركة الإسلامية ليس نهاية للحرب فقط بل نهاية لمشروع كامل قام على الاستبداد والتلاعب بالدين واستغلال الدولة ولذلك فإن معركة السلام في السودان ليست مجرد مفاوضات بين أطراف متحاربة بل هي أيضا مواجهة سياسية وفكرية مع قوى التطرف التي ترى في الفوضى شرطا لبقائها إن الطريق إلى السلام يمر عبر تفكيك هذه الأدوات وكشفها أمام الرأي العام الوطني والإقليمي والدولي فكلما انكشفت آليات التخريب التي تستخدمها قوى التطرف تقلصت قدرتها على المناورة وكلما توحدت إرادة السودانيين حول مشروع الدولة المدنية القائمة على المواطنة والعدالة وسيادة حكم القانون اقتربت البلاد خطوة أخرى من الخروج من نفق الحرب السلام ليس شعارا عاطفيا بل هو معركة سياسية وقانونية وأخلاقية ضد منظومة كاملة من المصالح المتطرفة التي عاشت طويلا على خراب الوطن ولكن التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تدرك حقيقة أعداء السلام وتواجههم بإرادة جماعية لا بد أن تنتصر في النهاية لأن إرادة الحياة أقوى من مشاريع الموت ولأن السودان يستحق مستقبلا لا تحكمه البنادق بل تحكمه العدالة والحرية والكرامة الإنسانية نواصل بمشيئة الله بتاريخ 16/مارس /2026 شارك تصفّح المقالات صباح محمد الحسن تتحدث عن المصباح طلحة وتكتب : تحدي !! هل أصبحت بورتسودان غرفة عمليات إيرانية للفضاء العسكري في أفريقيا والبحر الأحمر؟