بقلم:  عمار سعيد

 

في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة البحر الأحمر، برزت مدينة بورتسودان خلال العامين الأخيرين كمركز ثقل سياسي وعسكري جديد في السودان. فبعد انتقال الحكومة والقيادة العسكرية إليها مع تصاعد الحرب الداخلية، تحولت المدينة من ميناء تجاري هادئ إلى عقدة استراتيجية تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، تتزايد التساؤلات حول طبيعة الدور الذي تلعبه إيران، وتحديداً الحرس الثوري، في المشهد العسكري المتشكل حول البحر الأحمر والسودان.

 

خلال السنوات الأخيرة طورت إيران قدراتها الفضائية العسكرية بشكل ملحوظ، خصوصاً عبر سلسلة الأقمار الصناعية الاستطلاعية التابعة للحرس الثوري، مثل أقمار “نور”. هذه المنظومة، رغم محدودية عددها مقارنة بالقوى الفضائية الكبرى، توفر لطهران قدرة متنامية على جمع المعلومات الاستخباراتية، ومراقبة التحركات العسكرية، وتقديم بيانات يمكن استخدامها في توجيه الطائرات المسيّرة والصواريخ بدقة أعلى.

 

وقد دفعت الضربات التي استهدفت بعض البنى العسكرية الإيرانية خلال الايام الماضية إلى قيام طهران بإنشاء شبكات تشغيل ودعم احتياطية خارج أراضيها، لأغراض الاتصالات العسكرية أو لتوسيع نطاق جمع المعلومات الاستخباراتية. في هذا الإطار، بدأت تظهر تقارير وتحليلات تشير إلى وجود عناصر من الحرس الثوري الإيراني يقومون بإدارة دعم تقني مرتبطة بالقدرات الفضائية الإيرانية في بورتسودان، ضمن شبكة أوسع لإدارة العمليات ومشاركة المعلومات مع حلفاء إقليميين.

 

أهمية بورتسودان في هذا السياق لا تعود فقط إلى موقعها الجغرافي على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بل أيضاً إلى موقعها القريب من مناطق النزاع في السودان والقرن الأفريقي. فوجود بنية اتصالات أو استقبال بيانات مرتبطة بالأقمار الصناعية يوفر لطهران وحلفائها قدرة أفضل على مراقبة التحركات العسكرية في هذه المنطقة الحساسة، التي تشهد تنافساً متزايداً بين قوى إقليمية ودولية.

 

كما أن الحرب الدائرة في السودان أظهرت تحولاً متزايداً نحو استخدام الطائرات المسيّرة وأنظمة الاستطلاع المتقدمة. وفي مثل هذه الحروب، تصبح المعلومات الفضائية عاملاً حاسماً في تحديد الأهداف وتصحيح مسارات الهجمات الجوية أو المسيرة. ويشير بعض المحللين العسكريين إلى أن تطور دقة بعض الضربات بالطائرات المسيّرة في مناطق مثل كردفان ودارفور وربما في منطقة الخليج قد يعكس استخدام معلومات استطلاع أكثر تقدماً أو دعماً تقنياً خارجياً.

 

في الوقت نفسه، تشير تقارير متعددة إلى وجود مستوى متزايد من التعاون العسكري بين الجيش السوداني وإيران، يشمل نقل تقنيات الطائرات المسيّرة، وتقديم الدعم الفني والتدريب، إضافة إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية. ويُنظر إلى هذا التعاون في إطار شبكة أوسع من الشراكات العسكرية التي بنتها طهران خلال العقدين الماضيين في الشرق الأوسط وأفريقيا.

 

مع ذلك، من المهم التمييز بين توجد أدلة علنية قاطعة تثبت أن إيران نقلت منظومات التحكم الكاملة بأقمارها الصناعية العسكرية إلى بورتسودان . يعكس التحول المتزايد في دور المدينة ضمن شبكة الصراعات الإقليمية وقد تتحول بورتسودان إلى نقطة ارتكاز مهمة في البنية الاستخباراتية والعسكرية المرتبطة بالبحر الأحمر، ما سيجعلها أيضاً محور اهتمام متزايد من القوى الدولية التي تراقب عن كثب أي توسع لنفوذ إيران في هذه المنطقة الاستراتيجية.

 

في نهاية المطاف، يعكس الجدل الدائر حول الدور الإيراني المحتمل في بورتسودان حقيقة أوسع: أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر للتجارة العالمية، بل أصبح ساحة تنافس جيوسياسي معقدة تتداخل فيها حسابات الأمن الإقليمي والطاقة والممرات البحرية. وفي قلب هذا المشهد المتغير، قد تجد بورتسودان نفسها تلعب دوراً أكبر بكثير مما كان متوقعاً قبل سنوات قليلة فقط.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *