عبدالعزير بخات المحامي 

والمدافع عن حقوق الإنسان 

 

 

في مشهد يختصر حجم المأساة تتحول الاراضي الزراعية في السودان الي مساحات مزروعة بالالغام بدل سنابل الزرة حيث لا يعود الخطر محصورا في جبهات القتال بل يمتد الي قلب الحياة اليومية في القرى والمزارع فيصبح الاقتراب من الارض مخاطرة ويغدو العمل في الزراعة مغامرة قد تنتهي بالموت في لحظة واحدة

 

عندما تتحول الارض التي كانت تزرع سنابل الزرة الي حقول الغام وعندما تصبح القرى التي كانت تضج بالحياة مساحات صامتة تتناثر فيها الاجساد فاعلم ان هناك من قرر ان يقتل الوطن باسم الوطن

 

اي منطق هذا الذي يجعل من الارض الزراعية ساحة حرب ومن قوت الناس مشروع موت هل اصبح الفلاح هدفا عسكريا وهل صارت سنابل الزرة تهديدا امنيا يستوجب التفجير ام ان المسألة ابعد من ذلك ام انها ارادة واعية لتجويع شعب كامل وكسر عموده الفقري الاقتصادي حتى يسهل التحكم فيه

 

ثم يخرج علينا من يسمي ذلك حرب كرامة اي كرامة هذه التي تزرع الموت تحت اقدام الاطفال اي كرامة هذه التي تحول المواطن الي لاجئ داخل وطنه او نازح علي اطراف المدن ينتظر لقمة تسد الرمق اي كرامة هذه التي تجعل الام تبحث بين الركام عن بقايا ابنائها بينما يتحدث الساسة عن النصر الوهمي

 

كيف يمكن لعاقل ان يربط بين الكرامة وتجريف الارض وتلغيم الحقول وتدمير مصادر العيش هل الكرامة تبني علي الجوع ام علي التشريد ام علي تحويل المجتمع الي كتل بشرية منهكة لا تملك من امرها شيئا

 

ثم من المستفيد من كل هذا الخراب هل هو المواطن الذي فقد بيته وارضه ام التاجر الذي يبيع الحرب ام السياسي الذي يعيش علي ازمات لا تنتهي ام انها عقلية لا ترى في الدولة الا غنيمة وفي الشعب الا وقودا لمعاركها

 

الاقتصاد الذي كان يمكن ان يكون عمادا للاستقرار يتم تفكيكه عمدا الزراعة التي كانت تمثل شريان الحياة يتم خنقها بلا رحمة والمجتمع الذي كان يمكن ان يتماسك يتم تمزيقه علي اسس الخوف والجوع فهل هذه صدفة ام سياسة ممنهجة ام عجز يتم تغليفه بشعارات كبيرة تخفي فراغها

 

عندما تتحول الحقول الي مقابر وعندما يصبح البقاء علي قيد الحياة هو الانجاز الوحيد الممكن فليس هناك كرامة بل هناك كارثة اخلاقية وسياسية كاملة الاركان

 

والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة الي متي يظل هذا العبث مستمرا والي متي يتم بيع الوهم للناس تحت مسميات براقة والي متي يطلب من الضحية ان تصفق لجلادها وتؤمن ان موتها هو طريق خلاصها

 

ان ما يحدث ليس دفاعا عن كرامة بل اهدار ممنهج لكل معني للكرامة وليس حماية للوطن بل تقويض لاسسه وليس صراعا من اجل المستقبل بل دفن متعمد لكل فرصة للحياة

 

وفي النهاية يبقي السؤال الاكثر قسوة هل من يزرع الالغام في ارضه ينتظر حصادا ام انه حسم امره واختار ان لا يكون هناك حصاد اصلا

 

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

18 /مارس /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *