عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان لم يكن تعثر محاكمة رموز الحركة الإسلامية في السودان حادثا عابرا في مسار العدالة بل كان انعكاسا مباشرا لاختلال عميق في بنية القضاء ذاته حيث تحول من سلطة يفترض فيها الحياد والاستقلال الى فاعل سياسي ضمن شبكة السلطة التي نشأت منذ انقلاب 1989 وهو ما جعل مسألة المحاسبة تصطدم بجدار داخلي لا خارجي لقد ورثت المرحلة الانتقالية جهازا قضائيا مشبعا بثقافة التمكين حيث تغلغلت كوادر الحركة الإسلامية في مفاصل العدالة عبر ثلاثة عقود ولم يكن ذلك مجرد نفوذ إداري بل إعادة تشكيل كاملة للعقل القانوني بحيث يصبح القانون أداة حماية للنظام لا وسيلة لمحاسبته وهو ما أقر به واقعيا نقاش واسع حول غياب استقلال القضاء في السودان وتحوله الى محل شك وانتقاد مجتمعي واسع هذا الاختراق البنيوي جعل أي محاولة لمحاكمة رموز الإخوان المسلمين تصطدم بما يمكن وصفه بالقضاء الحارس للنظام السابق لا القاضي عليه حيث ظهرت ممارسات متعددة أبرزها إلغاء قرارات التفكيك وإعادة الأموال والأصول المصادرة الى عناصر النظام السابق وهو ما كشف بوضوح أن المعركة لم تكن قانونية بقدر ما كانت صراعا داخل مؤسسات الدولة نفسها كما أن القوانين التي صيغت خلال فترة حكم الإسلاميين لم تكن بريئة بل صممت لحماية الفاعلين من المساءلة حيث منحت تشريعات مثل قانون الأمن الوطني وقانون القوات المسلحة حصانات واسعة تحول دون ملاحقة الأفراد إلا بإذن من قيادات عليا وهو ما أدى عمليا الى شلل العدالة وتحويلها الى رهينة قرار سياسي ولم يقف الأمر عند حدود الحصانات بل امتد الى بطء الإجراءات وتفريغ القضايا من مضمونها عبر التعقيد الإداري والتسويف المتعمد حيث ظلت مئات البلاغات ضد رموز النظام السابق تراوح مكانها دون حسم رغم تسجيل أعداد كبيرة من القضايا المتعلقة بالفساد والانتهاكات الأخطر من ذلك أن القضاء لم يكتف بالتقاعس بل تحول في بعض السياقات الى أداة في الصراع السياسي حيث أشارت تحليلات قانونية الى استخدام الأحكام القضائية لإرسال رسائل سياسية وبث الرعب بدلا من تحقيق العدالة وهو ما يمثل انحرافا خطيرا عن وظيفة القضاء كضامن للحقوق والحريات هذا الواقع يفسر لماذا فشلت محاولات تفكيك بنية الإخوان داخل الدولة رغم إصدار قوانين إصلاحية استهدفت إعادة هيكلة القضاء إذ أن النصوص وحدها لم تكن كافية أمام شبكة مصالح متجذرة داخل المؤسسات العدلية نفسها إن الدور السلبي للقضاء السوداني في هذا السياق لا يمكن اختزاله في ضعف الأداء بل هو تعبير عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة التي لم تتحرر بعد من إرث التمكين حيث بقيت مؤسسات العدالة جزءا من منظومة السلطة لا رقيبا عليها ومن الناحية القانونية فإن هذا الوضع يمثل خرقا واضحا لمبدأ عدم الإفلات من العقاب الذي يفرض على الدول واجب التحقيق والمساءلة في الجرائم الجسيمة كما يضرب في صميم فكرة سيادة حكم القانون إذ لا معنى لنصوص تجرم القتل والفساد والانتهاكات إذا كان من يفترض بهم تطبيقها هم أنفسهم جزء من شبكة الحماية السياسية أما من الناحية السياسية فإن غياب العدالة أدى الى إعادة إنتاج الأزمة حيث عاد العديد من رموز النظام السابق الى المشهد مستفيدين من ثغرات القضاء وضعف الإرادة السياسية مما عمق حالة انعدام الثقة بين المواطن والدولة إن استمرار هذا الوضع لا يعني فقط فشل محاكمة الإخوان المسلمين بل يعني انهيار فكرة العدالة ذاتها وتحولها الى أداة انتقائية تستخدم ضد الخصوم وتغيب عند الحلفاء وهو ما يهدد أي انتقال ديمقراطي حقيقي أن القضاء الذي لا يملك شجاعة محاكمة الماضي لن يملك القدرة على حماية المستقبل وأن أي حديث عن العدالة في السودان سيظل فارغا ما لم يتم تفكيك البنية التي حولت القضاء من منصة للإنصاف الى درع يحمي السلطة مهما كان ثمن ذلك من دماء وحقوق وكرامة شعب كامل نواصل بمشيئة الله بتاريخ ٢٢/مارس /2026 شارك تصفّح المقالات الجميل الفاضل يكتب … حربٌ لا يربحها من يربحها؟! في إحترام دولة ٥٦