م. عبدالملك زكريا علي التوصيف الهيكلي للدولة الكليبتوقراطية ..تمثل حالة السودان المعاصرة نموزجا متطرفا لما يعرف في العلوم السياسية بالدولة المنهوبة او الكليبتوقراطية حيث لا يعد الفساد مجرد انحراف سلوكي لبعض للافراد بل هو المحرك الاساسي والذي تدور حوله مفاصل الحكم والقرار .. ان التدهور المستمر في مؤشرات النزاهة الدولية يضع السودان في قاع الترتيب العالمي حيث سُجلت ١٤ نقطة فقط من اصل ١٠٠ نقطة في مؤشر مدركات الفساد للعام ٢٠٢٥م محتل بذلك المرتبة ١٧٥ من اصل ١٨٥ دولة وهذا التراجع الصاروخي لم يكن وليد الصدفة بل هو نتيجة طبيعية لإنهيار الضوابط والتوازنات المؤسسية وتغول السلطة التنفيذية والعسكرية علي الفضاءين المدني والقضائي .. ويمكن تحليل الفساد في السودان من خلال ثلاثة مستويات متداخلة : الفساد الهيكلي المرتبط بالتمكين السياسي والفساد العسكري المرتبط بالسيطرة علي الموارد الاستراتيجية والفساد الاداري (المحسوبية) والذي حول الخدمة المدنية الي اداة لضمان الولاء السياسي والقبلي .. إن غياب المساءلة الفعالة ادي الي تحويل الموارد الوطنية من نفط وذهب واراضي وصمغ عربي ومحاصيل نقدية الي خزائن خاصة تمول الة الحرب وتشتري الولاءات في حين يواجه نسبة كبيرة من السكان انعداما حاداً في الغذاء … وهذا الفساد حسب ما تؤكد التقارير الاستقصائية يتغذي علي الافلات من العقاب … حيث يتم استبدال الكفاءات المهنية بعناصر موالية في القضاء والشرطة والجمارك والادارات العليا والدنيا في مؤسسات وهيئات الدولة ذات الطبيعة الايرادية مما يضمن حصانة كاملة للنخب الحاكمة .. ان هذا الواقع ليس مجرد فشل إداري بل هو استراتيجية لإعادة هندسة الدولة بما يخدم مصالح الاقلية المهيمنة علي السلاح والمال والنفوذ . #- جذور التمكين : هو التاسيس الايديولوجي للمحسوبية والفساد الهيكلي .. حيث لا يمكن فهم المشهد دون الرجوع الي سياسة التمكين (والتطهير) التي ارستها الانظمة الايديولوجية حيث كانت تهدف هذه السياسة الي (تطهير) الخدمة المدنية والقوات النظامية والقضاء من العناصر الغير موالية واستبدالهم بكوادر تدين بالولاء المطلق للتنظيم (تمكين) وهو عملية اعادة صياغة شاملة للمؤسسة العسكرية وللاقتصاد الوطني والقضاء والخدمة المدنية ليصبح تحت سيطرت العمق الايديولوجي وفي هذا يتدخل البعد القبلي وهو ليس عملية احلال وظيفي فحسب بل هو تشويه وارباك متعمد لجملة مشاهد الحياة العامة وخلق حالة من الدوران والدوخان والتخدير للمواطنين . وعملية التمكين والتطهير اعتمدت جملة من المسارات نذكر منها : ١- تقويض استقلال القضاء بتحويل المحاكم والنيابات الي ازرع لتثبيت النظام وحماية المفسدين ٢- احتكار القطاعات الاقتصادية :انشاء شركات ووكالات وبيوتات مالية للمؤسسة العسكرية والامنية .. تتمتع بالاعفاءات الضريبية والجمركية المطلقة وخطابات الضمان البنكية . ٣- تسيس الخدمة المدنية بفصل الالاف من الكفاءات بدعوي الصالح العام وتعين الموالين وبالاخص الذين يوقعون بالقلم الاحمر والاخضر . ٤- بناء المليشيا والخلايا لضمان الحماية والتصدي للمناوئين . إن هذا الارث الايديولوجي يتجلي اليوم في عودة عناصر نظام الانقاذ تحديدا الي مفاصل سلطة بورتسودان الخرطوم بعد عام ٢٠٢٣م وهذا التدفق العكسي للعناصر يعني عودة حتمية للفساد ويؤكد ان البنية التحية للمحسوبية لاتزال قائمة وفعالة بل ازدادت شراسة وشراهة في غياب اي سلطة رقابية شفافة … والتقارير والواقع يؤكدان ان السيطرة العسكرية والامنية علي الاقتصاد هي العقبة الاكبر امام اي اصلاح حقيقي حيث السيطرة علي مئات الشركات والتي تعمل في قطاعات حيوية مثل الدقيق ، والنفط ، والذهب والاتصالات ، التصنيع ، البناء ، الادوية ، الطيران ، التجارة العامة ، المقاولات ، والتكنولوجيا ، البنوك ، والصناعات الدفاعية ، صندوق الضمان الاجتماعي والذي اهتم بالتوسع في إمتلاك الابراج والفنادق والاراضي والمخططات السكنية والاسهم والبنوك واصحابة الحقيقين يعانون اشد معناة بعد ان افنوا شبابهم وقدراتهم خدمة وعطاءاً . وبالسيطرة لم يتركوا مجالا سواء كان تجارة او صناعة والا اسسوا كيان موازي للتحطيم بالتضيق عليه والتفضيل والضمان من بنك السودان المركزي والاعفاء لهم وتستخدم هذه المنظومات هيكلا ملكياً معقدا لإخفاء التبعية وهذه الاعفاءات الضريبية والجمركية والضمانات البنكية مرهق مؤسسي لخزينة الدولة ومنظومة الفساد العسكري والامني هذه حولت الموارد الطبيعية واقتصادها الي اقتصاد ظل واقتصاد قتل وإهلاك واسست لفساد سياسي متصل … ولذلك كان الاعتراض منهم علي الاصلاح العسكري والمالي لانه يمثل تهديدا وجوديا لمصادر وجودهم وتمويلهم الخاص وقدرتهم علي إدارة شبكات الذبائنية السياسية !!! وارتبطت شبكات الاجهزة العسكرية والامنية بالشبكات العابرة للحدود والتي لها القدرة لإبتكار طرق جديدة للإلتفاف علي الرقابة مما جعل الموارد السودانية وقوداً ابديا لعدم الاستقرار . #- المحسوبية في الخدمة المدنية : هي مؤشر الانهيار للمعايير المهنية وتغول الولاء التنظيمي والقبلي وتعد المحسوبية(Nepotism) حقيقة لاتخطئها العين حيث تحولت الوظيفة العامة من حق مكفول بالكفاءة الي عطية تمنح بناءاً علي الولاء السياسي والانتماء القبلي والقرابة الاسرية .. وهذا النمط من الادارة لم يدمر كفاءة الدولة فحسب بل خلق شعورا عاما بالظلم والتهميش وادي الي تغذية الصراعات الحقوقية والعرقية والجهوية … وفي عهد حكومة بورتسودان الخرطوم وصلت المحسوبية الي مستويات غير مسبوقة تم تعين اشخاص في مناصب سيادية ودبلوماسية بناءاً علي علاقاتهم الشخصية بالجنرالات .. بينما تم تهميش الكفاءات المهنية وعلي سبيل المثال شهدت مفوضية اللاجئين إتهامات واسعة بالمحسوبية حيث تعطلت خطط الاصلاح لصالح تعيين متعاقدين موالين منتهي الصلاحية القانونية في مكاتب الولايات … وتعين كوادر النظام القديم في مناصب القضاء والنيابة والشرطة والجيش لضمان الولاء في الحرب وتجسدت المحسوبية القبلية بابشع صورها باستخدام التعينات كاداة لإستقطاب القبائل للمشاركة في القتال خاصة كردفان ودارفور وكذلك تم تعين ابناء كبار المسئولين في وظائف مرموقة وبعثات دبلوماسية .. ابنة البرهان وزوجة نائب الرئيس عينتا في مناصب عليا . هذه التعينات بالمحسوبية لغرض تعطيل العدالة وحماية الفاسدين وتسهيل التهريب وحرمان الخزينة من الموارد وتعويق الاغاثة واعفاء المواليين ودغمسة القضايا وتحويل السفارات لمكاتب حزبية وامنية وأدت المحسوبية وممارستها الي هجرة جماعية للعقول وانهيار في معايير الجدارة وهو ما يؤكد العجز الحكومي الفاضح في إدارة الازمات حيث إفتقاد الخبرة والنزاهة مما فاقم من معاناة المواطنين في تلقي الخدمات الاسياسية . والمحسوبية والفساد له كلفة انسانية باهظة حيث الجوع والمرض والجهل والفساد ليس ارقام مختلسة بل هو حياة مفقودة والتوزيع غير العادل للموارد والنهب المنهجي للميزانية الوطنية ادي الي انهيار كامل في قطاعي الصحة والتعليم والتقارير الاممية تشير الي ان الحكومة السودانية تنفق علي الاجهزة السيادية والمكاتب الرئاسية والعمليات العسكرية مبالغ تفوق ما يخصص للصحة والتعليم والزراعة حيث انها تنفق ما بين ١٢- ١٩ ضعف واليك بعض من الارقام ايها القارئ الكريم علي سبيل المثال : السيادة ورئاسة الجمهورية ٥٥٤ مليون كرقم مرتفع جدا متجاوزا الميزانية التقديرية للعام ٢٠٢٤-٢٠٢٥م بنسبة ٥٨٤% من المرصود مما يعني استنزاف موارد الطوارئ .. وزارة الصحة ٢٩ مليون دولار بإنخفاض ١٩% من المخطط مما يعني انخاضاً حاد اًجداً وبالتالي انهيار الخدمات الصحية ونقص الدواء .. الزراعة والامن الغذائي ١١ مليون دولار ما يعني انخفاض ٧% من المخطط وهذا يعني خروج مساحات واسعة جدا من الدورة الزراعية وبالتالي خروج اعداد مهولة من المزارعين من العملية الزراعية .. التعليم اقل من ١% من المخطط مما يعني خروج جيل كامل من التعليم … هذه امثلة للفساد والمحسوبية مما اضعف المهنية التخطيطية وغيب المنهج البنائي للدولة وتحول الفساد الي آلة قتل صامتة . والحديث عن فساد الطرق والكباري حدث ولا حرج حيث ان المبالغ المخصصة من برنامج النفط مقابل الطرق اين ذهبت تلك المبالغ اين؟؟؟ هذه تمثل اكبر واقبح فضائح الفساد في تاريخ السودان …حيث اختفت مبالغ مليارية مخصصة لبناء الطرق وظلت المشاريع الموعودة حبر علي ورق حيث ذهبت هذه الاموال الي شبكات المحسوبية والشركات المرتبطة بكبار المسئولين . الفساد اصبح فايرس ضرب كل المؤسسات .. النيابة والشرطة والقضائية حيث تم تجميد المواد القانونية التي تجرم الثراء الحرام والفساد المؤسسي في كل القطاعات الامنية العسكرية والمدنية الخدمية .. والعمل علي تجريم السياسين المعارضين مع غض الطرف عن جرائم التهريب والنهب الكبري التي يرتكبها الموالين … إن استغلال إسلامي السلطة لواجهتهم العسكرية اجهضت كثير من افكار ومؤسسات الحوكمة والشفافية كفكرة مفوضية مكافحة الفساد والاجهزة الرقابية الاخري وهذا يعني ان الفساد محمي بقوة القانون المنحاز تطبيقا والسلاح وهذا ما شجع صغار الموظفين علي ممارسة الرشوة في الخدمات الحكومية اليومية … نعم لقد تحول الفساد الي ثقافة مؤسسية تغلغلت في كل معاملة حكومية .. وكذلك تشبك مع شبكة معقدة من شبكات غسيل الاموال والالتفاف علي العقوبات الدولية رغم ان السودان يقع تحت الرقابة المشددة من قبل مجموعة العمل المالي بسبب ثغرات خطيرة في اطر مكافحة غسيل الاموال وتمويل الارهاب الا ان المؤسسات الرسمية تستخدم واجهات وشركات في دبي وهونج كونج وتركيا وغيرها من الدول لاخفاء مصادر اموالها وتمويل مشتريات السلاح وآليات تمكين الحكم كشركة (Portex Trade) المسجلة في هونج كونج والتي كشفت عنها وزارة الخزانة الامريكية ويستخدمها مسئولي المشتريات في الجيش لشراء مسيرات ومعدات حربية عبر وسطاء دوليين ذلك فضلا عن استخدام البنوك لإصدار خطابات الاعتمادات الوهمية لسحب العملة الصعبة وتوجيهها للسوق الاسود . ان السيولة المالية التي توفرها هذه الشركات والواجهات التجارية هي ما يطيل امد الحرب … والعقوبات رغم اهميتها تظل غير كافية خاصة اذا لم تغلق الثغرات التي تسمح بمرور الذهب والسلاح والاموال حيث اصبح السودان ترانزيت للجريمة وغسيل الاموال مما جعل الاقتصاد السوداني اقتصاد ظل بامتياز حيث تختفي الحدود بين النشاط التجاري المشروع والنشاط الاجرامي المرتبط بالدولة وهذا المشهد القاتم يجعل من الفساد مصلحة مشتركة لمجموعة واسعة من الفاعلين غير الحكومين والقوي الاقليمية التي تستفيد من غياب الدولة والقانون وهذه البيئة السياسية المرتبكة والسيولة الامنية وانتشار فايرس الفساد في جسد الدولة بكل مؤسساتها وهيمنة العسكر كل هذا يمكن ان نسميه عسكرة الاقتصاد اي ان تدار كل مؤسسات الدولة المدنية والمالية وانشطتها عبر الموالين من العسكرين وتحت حمايتهم . وهذا التدويل للفساد يعني ان اي حل وطني لن يكون كافياً مالم يُصحب بضغوط دولية منسقة علي مناطق التسهيل الخارجية … وتأكيد الفساد والمحسوبية لا تخطئه العين وهو ليس فقط في شوارع الخرطوم وبورتسودان بل هو في البورصات العالمية وحسابات شركات التداول المالي والشركات العابرة للقارات . خلاصة القول ان دولة السودان في مهب الكليبتوقراطية وان البلاد لاتعاني من مجرد ازمة حكم بل اختطاف شامل وان الحقائق الماثلة والتقارير الموثقة وتقارير الشفافية ترسم صورة قاتمة لدولة تلتهم مواردها لتمويل تدمير نفسها (التدمير الذاتي) … والحلول الكلية لمرض الفساد واستئصاله لا تتم الا بجيش مهني وتحت امرة الادارة التنفيذية المدنية المنتخبة بالتفويض المباشر من الشعوب السودانية لان الحلول الجزئية لا تكفي طالما ان النظام البيئ للفساد والفساد العابر للحدود يجد الملاذات الآمنة … المستقبل يتطلب رؤية شاملة تتجاوز الحلول الجزئية والتقليدية الي تفكيك البنية التحتية للنهب والفساد والمحسوبية وإستعادة المؤسسات الاقتصادية والمالية العسكرية لصالح الولاية المدنية علي المال العام وتأسيس قضاء مستقل يحقق في جرائم الفساد في الذهب والنفط والعقودات والشركات المشبوهة والمعروفة وخدمة مدنية تقوم علي الجدارة .. من غير ذلك يظل السودان يدور في حلقة ما ان انتهت الازمة بالحلول الجزئية لتبدأ الاخري اشرس وافظع من التي سبقتها وهي ذات الازمات الحقوقية ووقودها المحسوبية والفساد والمناطقية والمركز المهيمن والاطراف المهمشة ويظل عدم الاستقرار ملازم السودان لصالح الفساد والمحسوبية والهيمنة الاقتصادية والسياسية . اقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحربخ اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب اقفوا الحرب وعودا للثكنات .. لا خيار م. عبدالملك زكريا علي مارس ٢٠٢٦م شارك تصفّح المقالات عكاشة عمر على يكتبر….كيف استقبل أولياء الأمور خبر إعلان قيام الامتحانات؟