آدم الحاج أديب

كاتب وباحث في قضايا الفكر السياسي والقانوني

 

الاستهلال: لحظة “الانزياح” البنيوي

​لا يمكن قراءة المشهد السوداني الراهن بمعزل عن حقيقة تاريخية كبرى؛ وهي أننا نعيش لحظة “انقلاب الموازين الهيكلية”. إن ما يحدث في بورتسودان اليوم ليس مجرد انتقال مكاني لمقار السلطة، بل هو تجسيد لظاهرة “تآكل المركز التقليدي” الذي احتكر القرار السياسي والاقتصادي لعقود، مقابل “صعود الهوامش” التي استحالت من “أطراف” إلى فاعل حقيقي ووحيد في معادلة القوة، والمحرك الأساسي لرهانات الخارج.

​❖ أولاً: مأزق المركز.. سيكولوجية “السلطة المتآكلة”

​يعاني المركز التاريخي من أزمة “مشروعية وظيفية”؛ حيث فقد القدرة على بسط السيادة القانونية والإدارية الشاملة. هذا التآكل ليس نتاج الحرب فحسب، بل هو نتيجة طبيعية لغياب “البناء المؤسسي” الذي حذرنا منه سابقاً:

​◈ إدارياً: انهيار الهياكل البيروقراطية واستبدالها بإدارة الأزمات المفتوحة.

​◈ قانونياً: عجز المنظومة التشغيلية عن حماية العقد الاجتماعي التقليدي.

​◈ سياسياً: تحول المركز إلى “رد فعل” لمتغيرات الهامش والضغوط الدولية.

​❖ ثانياً: صعود الهامش.. من الاحتجاج إلى “السيادة البديلة”

​لقد تجاوز الهامش السوداني مرحلة “المطالبة بالحقوق” إلى مرحلة “فرض الوجود السيادي”. هذا الصعود أربك الحسابات الدولية؛ فالدول الإقليمية لم تعد تبحث عن “مركز قوي” لتتعامل معه، بل أصبحت تستثمر في “ديناميكيات الهامش” المتصاعدة، مما جعل السيادة الوطنية عرضة لتقاطعات حادة ومشاريع نفوذ متضاربة.

​❖ ثالثاً: قراءة في التوازنات المتغيرة (المركز vs الهامش)

​تتجلى الفجوة الحالية في ثلاثة مستويات استراتيجية:

​الشرعية القانونية: المركز يعتمد على الاعتراف الدولي “الرسمي” الهش، بينما يفرض الهامش شرعية “الأمر الواقع” القائم على النفوذ الميداني.

​الثقل الجيوسياسي: يحاول المركز الحفاظ على ما تبقى من رمزية الدولة في بورتسودان، بينما يتحول الهامش إلى مركز ثقل جديد يحدد مسارات الحرب وتوازنات الإقليم.

​الرهان الخارجي: قوى دولية تتعامل مع المركز كـ “واجهة” للتفاوض، بينما تستثمر قوى إقليمية في قدرة الهامش على الحسم وتشكيل المستقبل.

​❖ رابعاً: الفيتو الخارجي.. سلاح “تجميد السلاح”

​من منظور الفكر القانوني الدولي، إن أي اهتزاز في صفقات السلاح أو التمويل العسكري ليس مجرد عجز لوجستي، بل هو “فيتو سياسي مضمر”. إن القوى الدولية تدرك أن “المركز” لم يعد يملك مفاتيح الحل بمفرده، وأن استمرار الحرب بلا أفق سياسي “تأسيسي” يهدد أمن الإقليم، لذا تحول الدعم إلى أداة ضغط لإجبار المركز على الاعتراف بالواقع الجديد.

​❖ خامساً: السيناريوهات الوجودية.. “التأسيس” أو “الاندثار”

​أمام هذا التآكل المتسارع، لا تملك السلطة في بورتسودان ترف الوقت، وهي أمام مسارات حتمية:

​الانتحار المؤسسي: محاولة استعادة “المركزية القابضة” بالقوة، وهو رهان يقود لتمزيق النسيج القانوني للدولة.

​الارتهان للخارج: أن يصبح “صعود الهامش” وتآكل المركز مجرد أدوات لإعادة تقسيم النفوذ الدولي في البحر الأحمر.

​التأسيس الوطني الجديد: وهو الخيار الاستراتيجي؛ عبر تحويل هذا الصعود إلى طاقة لبناء “دولة مؤسسات لامركزية”، تقوم على العدالة القانونية لا المحاصصة السياسية.

​✦ الخلاصة الاستراتيجية ✦

​إن ما تشهده البلاد ليس مأزقاً عابراً، بل هو “مخاض تاريخي” لانتهاء صلاحية المركز القديم. السودان اليوم لا يحتاج إلى “إصلاحات” ترقيعية، بل إلى عقول تدرك أن استقرار الدولة يبدأ من الاعتراف بصعود الهوامش وتأطير هذا الصعود قانونياً وسياسياً تحت مظلة “مواطنة” متساوية، قبل أن تُفرض الحلول من الخارج كأمر واقع ونهائي.

​نشر في: الخميس، ٢٦ مارس ٢٠٢٦

زاوية: على هامش التغيير

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *