بقلم : آدم الحاج أديب

​الافتتاحية: من “لحس الكوع” إلى إنكار الوجود

​بين “حشرات” البشير، ووعيد نافع “بلحس الكوع”، ورصاص علي عثمان الذي حصد الأرواح بشعار “Shoot to Kill”، وصولاً إلى خطاب البرهان والعطا، ومن خلفهم مناوي الذي بات يقتلع جذور مكونات اجتماعية أصيلة كالعطاوة وعيال جنيد؛ لم يعد المشهد السوداني مجرد أزمة حكم عابرة، بل نحن أمام انتحار سياسي وقيمي كامل. إنها رحلة تدحرجت فيها الدولة من “استعلاء السلطة” إلى “تشظي التحريض”، لتكشف أن القاع الذي نعيشه اليوم ليس إلا الثمرة المرة لخطاب كراهية تراكم عبر عقود، محولاً خارطة الوطن إلى حقل ألغام وتاريخه إلى محاكمة علنية للفشل.

​الإسلامويون: عداء الأوطان والتحالف مع الشيطان

​لقد كشفت التجربة السودانية المريرة أن التيار “الإسلاموي” في نسخته السودانية ليس إلا كياناً معادياً بفطرته للمجتمع والوطن. بالنسبة لهؤلاء، الوطن ليس أرضاً وشعباً وتاريخاً، بل هو “غنيمة” ومقر للسلطة المطلقة. ومن أجل استعادة هذا المقر أو الحفاظ عليه، لم يجدوا غضاضة في التحالف مع “الشيطان الرجيم”؛ فالعقيدة لديهم تبدأ وتنتهي عند “التمكين”، حتى لو كان ثمن ذلك إبادة الحاضرة والبادية.

​ولعل الجريمة الأبشع التي تجسد هذا العداء هي استخدام الأسلحة الكيماوية في قلب العاصمة الخرطوم. لم يعد الأمر مجرد تقارير بعيدة، بل واقعاً ملموساً ينهش أجساد المدنيين في أحيائهم، حيث تظهر الإفرازات الكيماوية اليوم في شكل أمراض غريبة وجلدية وتنفسية تفتك بالسكان، كشهادة حية على خسة هذا النظام. واليوم، يأتي ارتماؤهم في أحضان المشروع الإيراني لتعزيز هذه الترسانة بسلاح فتاك جديد ومسيرات انتحارية، ليس لحماية سيادة البلاد، بل لمواصلة محرقة النسيج الاجتماعي السوداني بدم بارد.

​تفكيك المجتمع: استراتيجية البقاء الأخيرة

​حين يصل الخطاب السياسي إلى مرحلة إنكار وجود مكونات اجتماعية متجذرة في وجدان الأرض، كما يفعل مناوي وسدنة الخطاب الحالي، فنحن أمام مرحلة “التصفية الوجودية”. هذا ليس مجرد خطأ سياسي أو زلة لسان، بل هو تمهيد ممنهج لحرب أهلية شاملة تُحرق الأخضر واليابس.

​إن سياسة “فرق تسد” التي انتهجها نظام الإخوان المسلمين طوال ثلاثة عقود، وصلت اليوم إلى ذروتها الكارثية في ظل قيادة البرهان وياسر العطا. لقد أصبح “التحريض القبلي” هو الملاط الوحيد الذي يربط تحالفات الضرورة المهتزة، وهي استراتيجية تعكس إفلاساً وطنياً لم يشهده تاريخ السودان الحديث، حيث تُستغل المكونات الاجتماعية وقوداً لبقاء جنرالات الفشل في كراسيهم فوق جثث مواطنيهم الذين سُمموا بالكيماوي والكراهية.

​الخلاصة: الحقيقة العارية

​إن السودان اليوم لا يعاني من أزمة إدارة أو خلاف سياسي طبيعي، بل يعاني من عصابة أيديولوجية وعسكرية قررت إحراق الغابة بأكملها إذا لم يُسمح لها بامتلاك الشجرة. إن الطريق إلى القاع الذي فُتحت بواباته منذ سنوات وصل اليوم إلى نهايته المحتومة.

​”السلطة التي تسمم هواء الخرطوم بالكيماوي وتستقوي بالخارج لإبادة الداخل، هي سلطة ساقطة أخلاقياً وتاريخياً وقانونياً، ولا يمكن أن تكون جزءاً من أي مستقبل سياسي.”

30 مارس 2026م

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *