بقلم / عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان في سياق النزاعات المسلحة الداخلية يظل مبدأ السيادة وعدم التدخل قاعدة آمرة في القانون الدولي العام وقد كرستها نصوص ملزمة وصريحة إذ تنص المادة (2) الفقرة( 4) من ميثاق الأمم المتحدة على حظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة كما تقرر المادة( 2) الفقرة (7) عدم جواز تدخل الأمم المتحدة أو أي دولة في الشؤون التي تكون من صميم الولاية الداخلية للدول وهو ما يجعل أي تدخل عسكري خارجي في السودان خارج حالتي الدفاع الشرعي المنصوص عليه في المادة (51) أو تفويض مجلس الأمن عملا غير مشروع دوليا يرتب المسؤولية الدولية وقد عززت محكمة العدل الدولية هذا المبدأ في قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة 1986 حيث قررت أن دعم جماعات مسلحة داخل دولة أخرى أو التدخل العسكري غير المباشر يشكل انتهاكا لمبدأ عدم التدخل ويعد استخداما غير مشروع للقوة وهو توصيف ينطبق على أي دعم أو وجود عسكري أجنبي في النزاع السوداني وخاصة في منطقة النيل الأزرق وعلى مستوى القانون الدولي الإنساني فإن المادة( 1) المشتركة في اتفاقيات جنيف الأربع لسنة 1949 تلزم جميع الدول باحترام وضمان احترام الاتفاقيات في جميع الأحوال كما أن المادة( 3) المشتركة تحظر الاعتداء على المدنيين وتلزم أطراف النزاع بعدم توسيع دائرة العمليات العسكرية بما يفاقم المعاناة الإنسانية وعليه فإن أي تدخل خارجي يسهم في تصعيد النزاع أو إطالة أمده يعد خرقا لهذه الالتزامات ويعرض الدولة المتدخلة للمساءلة الدولية أما في إطار مكافحة الإرهاب فإن قرارات مجلس الأمن ولا سيما القرار 1373 لسنة 2001 تلزم الدول بالامتناع عن تقديم أي شكل من أشكال الدعم للأفراد أو الكيانات الضالعة في أعمال إرهابية كما تفرض عليها اتخاذ تدابير فعالة لمنع تمويل أو تسهيل الإرهاب غير أن هذه النصوص لا تمنح أي دولة الحق في التدخل العسكري الأحادي داخل أراضي دولة أخرى بل تشترط التعاون الدولي واحترام السيادة وعليه فإن أي تدخل يتم خارج هذا الإطار يمكن أن يصنف كعمل يزعزع الاستقرار ويقوض جهود مكافحة الإرهاب وعلى المستوى الإفريقي فإن المادة (4) من القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي تنص في الفقرة (ج) على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وفي الفقرة( ز) على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء كما تقرر الفقرة( ح) حق الاتحاد في التدخل فقط في حالات الجرائم الخطيرة وبقرار جماعي من مؤسساته المختصة أما بروتوكول مجلس السلم والأمن الإفريقي لسنة 2002 فقد أكد في المادة (7) على اختصاص المجلس في إدارة النزاعات بوسائل جماعية وسلمية وبالتالي فإن أي تدخل عسكري منفرد من دولة عضو داخل السودان يمثل خرقا مباشرا لهذه النصوص ويقوض نظام الأمن الجماعي الإفريقي كما تنص اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية لمنع ومكافحة الإرهاب لسنة 1999 في المادة (1) على تعريف الأفعال الإرهابية بأنها كل عمل يهدف إلى تهديد سلامة دولة أو زعزعة استقرارها أو تقويض نظامها السياسي وبالنظر إلى هذا التعريف فإن أي تدخل عسكري يسهم في زعزعة الاستقرار الداخلي أو الإقليمي يمكن أن يدخل ضمن الأفعال المرتبطة بالإرهاب أو الداعمة له كما تلزم المادة( 3) الدول بالامتناع عن تنظيم أو دعم أو تمويل أي أعمال إرهابية داخل دول أخرى وعلى الصعيد السوداني فإن الوثيقة الدستورية لسنة 2019 وتعديلاتها تؤكد في مبادئها العامة على سيادة السودان ووحدة أراضيه واستقلال قراره الوطني كما تنص على أن القوات المسلحة مؤسسة وطنية تختص بحماية البلاد ولا يجوز لأي قوة أجنبية العمل داخل الأراضي السودانية إلا وفق اتفاقيات يجيزها القانون والسلطة المختصة وهو ما يجعل أي وجود عسكري أجنبي دون سند دستوري انتهاكا مباشرا للدستور أما في القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 فإن المادة (51) تجرم تقويض النظام الدستوري وتعاقب عليه بالإعدام أو السجن المؤبد أو السجن لمدة أقل مع جواز مصادرة الأموال كما تنص المادة (50) على تقويض النظام الدستوري أو تعريض استقلال البلاد أو وحدتها للخطر وهي جريمة جسيمة تصل عقوبتها إلى الإعدام أو السجن المؤبد كذلك فإن المادة 63 تجرم إثارة الحرب ضد الدولة وتفرض عقوبات صارمة تصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد وفي إطار مكافحة الإرهاب فإن قانون مكافحة الإرهاب السوداني لسنة 2001 وتعديلاته يجرم في مواده المختلفة كل فعل يهدف إلى نشر الرعب بين الناس أو تهديد سلامة المجتمع أو زعزعة الأمن والاستقرار كما يجرم تقديم الدعم أو التمويل أو التسهيل لأي نشاط إرهابي وتصل العقوبات في بعض الحالات إلى الإعدام أو السجن المؤبد أو السجن لمدد طويلة مع مصادرة الأموال والأدوات المستخدمة إن الربط بين هذه النصوص يظهر بوضوح أن أي تدخل عسكري خارجي في النزاع السوداني خاصة في النيل الأزرق لا يمثل فقط خرقا لمبدأ السيادة وعدم التدخل بل قد يرقى إلى مستوى الجرائم الدولية إذا أسهم في إطالة النزاع أو استهداف المدنيين كما يمكن أن يندرج ضمن الأفعال التي تزعزع الاستقرار الإقليمي وتقترب من توصيف الإرهاب وفقا للقانون الإفريقي والدولي والوطني إن خطورة هذا الفعل لا تكمن فقط في مخالفته للنصوص القانونية بل في آثاره العملية التي تهدد الأمن والسلم في السودان وتمتد إلى دول الجوار خاصة إثيوبيا مما يحول النزاع إلى بؤرة توتر إقليمي مفتوح وهو ما يتعارض مع أهداف الاتحاد الإفريقي وميثاق الأمم المتحدة في حفظ السلم والأمن الدوليين وعليه فإن المسؤولية القانونية تقتضي تفعيل آليات المساءلة الدولية والإفريقية والوطنية بما في ذلك اللجوء إلى مجلس الأمن وتفعيل دور مجلس السلم والأمن الإفريقي ومحاسبة كل من يثبت تورطه في دعم أو تنفيذ هذا التدخل باعتباره عملا غير مشروع دوليا وجريمة تمس أمن الدولة واستقرار الإقليم وتخضع لعقوبات صارمة وفق القوانين ذات الصلة نواصل بمشيئة الله بتاريخ ٣١ /مارس /2026 شارك تصفّح المقالات الجميل الفاضل يكتب من مقام الإفتقار: حين يصبح الاقتلاعُ ميلاداً واليتمُ الجغرافيُّ وطناً!!