بقلم

عبدالعزير بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان

منذ الاستقلال ظل السودان أسير دورة مغلقة من الحكم العسكري والانقلابات والصراعات المسلحة حيث حكم الفريق ابراهيم عبود 6 سنوات ثم المشير جعفر محمد نميري 16 سنة ثم المشير عبدالرحمن سوار الذهب سنة ونصف ثم المشير عمر حسن البشير 30 سنة ثم الفريق عبدالفتاح البرهان 7 سنوات وبذلك يبلغ مجموع حكم العسكر 60 سنة ونصف مقابل 9 سنوات ونصف فقط للحكم المدني في فترات متقطعة شملت حكومات عبدالله خليل ومحمد احمد محجوب والصادق المهدي وهو اختلال عميق في بنية الدولة ومسارها السياسي

هذا الامتداد الطويل للسلطة العسكرية لم يكن مجرد تعاقب حكام بل كان ترسيخا لمنهج يقوم على احتكار القوة وتغليب الحلول الأمنية على السياسية وتقييد الحريات العامة وتعطيل المؤسسات الدستورية وهو ما ادى الى تقويض سيادة حكم القانون وافراغ الدولة من مضمونها المدني وتحويلها الى سلطة امر واقع تستمد شرعيتها من القوة لا من الدستور

ومن زاوية قانونية واضحة فإن مبادئ الدساتير السودانية المتعاقبة تقرر خضوع القوات المسلحة للسلطة المدنية وتحدد دورها في حماية البلاد وصون سيادتها حيث نصت الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019 في المادة 34 على ان القوات المسلحة مؤسسة وطنية قومية مهمتها حماية سيادة البلاد وسلامة اراضيها وتخضع للسلطة التنفيذية وفق القانون كما نصت في المادة 8 على تأسيس نظام حكم مدني ديمقراطي يقوم على سيادة حكم القانون والتداول السلمي للسلطة وهو نص قاطع يمنع بطبيعته استيلاء العسكر على الحكم أو ممارستهم للعمل السياسي

كما نص قانون القوات المسلحة السودانية لسنة 2007 في المادة 5 على ان القوات المسلحة قوة نظامية وطنية مهمتها حماية الوطن والدفاع عن سيادته وسلامة اراضيه ولا يجوز لها التدخل في الشأن السياسي أو الحزبي وتلتزم بالحياد التام وهو نص قانوني صريح يحدد وظيفة المؤسسة العسكرية بعيدا عن الحكم ويجعل اي انخراط سياسي لها خروجا على القانون

ورغم وضوح هذه النصوص فإن الواقع العملي ظل مناقضا لها حيث قوضت الانقلابات العسكرية الشرعية الدستورية وكرست لشرعية القوة وهو ما فتح الباب لصراعات داخلية متكررة اذ ان اغلب حركات التمرد نشأت في بيئة الحكم العسكري وكان قادتها في كثير من الاحيان جزءا من المنظومة العسكرية نفسها قبل ان ينقلبوا عليها بعد اصطدامهم ببنية الاستبداد والتهميش وهو ما يؤكد ان جذور التمرد داخل السلطة لا خارجها

ولا تقف المسؤولية عند المؤسسة العسكرية وحدها بل تمتد الى النخب السياسية المدنية التي فشلت في بناء مشروع وطني جامع وانخرطت في تحالفات انتهازية مع العسكر للوصول الى السلطة مما اضعف التجربة الديمقراطية وقوض ثقة المجتمع في الحكم المدني وفتح الطريق مرارا لعودة الانقلابات

وقد بلغت هذه الازمة ذروتها في حرب 15 ابريل وما تبعها من انتهاكات جسيمة وممنهجة طالت المدنيين في ارواحهم واعراضهم وممتلكاتهم في مشهد يعكس انهيارا كاملا لمنظومة الحماية القانونية والانسانية ويؤكد ان عسكرة الدولة لم تعد فقط عائقا امام الديمقراطية بل تهديدا وجوديا لبقاء الدولة نفسها

ان الخروج من هذه الدائرة يتطلب تأسيس عقد اجتماعي جديد يقوم على دولة مدنية ديمقراطية تخضع فيها القوات المسلحة للسلطة المدنية بشكل كامل وفق نصوص دستورية ملزمة مع اعادة هيكلة القطاع الامني والعسكري على اسس مهنية ودمج كل التشكيلات المسلحة في جيش وطني واحد يعمل بعقيدة تحمي الدستور لا الانظمة

كما يتطلب تحقيق عدالة انتقالية حقيقية تقوم على كشف الحقيقة والمساءلة وعدم الافلات من العقاب وجبر الضرر بما يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع ويؤسس لسلام مستدام قائم على العدالة لا على موازين القوة

ان السودان امام خيار حاسم اما الاستمرار في دوامة الحكم العسكري وما ينتج عنه من حروب وانهيار او الانتقال الجاد الى حكم مدني ديمقراطي يعيد للدولة توازنها وللمواطن كرامته ويضع حدا نهائيا لهيمنة البندقية على السياسة

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

١/ابريل /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *