بقلم/ عبدالملك زكريا على

تعد الازمة السودانية الراهنة في تجلياتها السياسية العنيفة ثمرة تراكمات تاريخية وبنيوية ساهمت في تشكيلها النخب السياسية والعسكرية علي مر تاريخ الدولة السودانية وهذه النخب اخفقت علي مدار عقود الاستقلال السبع ولذلك تستحق دلاية الاخفاق من الدرجة الاولي … اخفقت في صياغة المشروع الوطني المستدام … وغاب عن اجندتها العقد الاجتماعي الحاكم للحياة العامة والضابط لإيقاعها … ان تفكيك مشهد النخب السياسية والفكرية يتطلب غوصا في اليات إشتغال هذه النخب والتي تراوحت ادوارها بين التضليل السياسي الممنهج للبقاء في السلطة وبين البحث المتعثر عن دور وطني منشود لم يتحقق بفعل إدمان الفشل البنيوي المتجزر … اذ ان هناك خارطة معقدة جدا لهذه النخب ولابد من تتبع مسارات هذه الخارطة وتشكلها التاريخي وادوات التضليل التي استخدمتها وصولا لإستشراف المسئولية التاريخية والاخلاقية المطلوبة لإنقاذ الدولة من الانهيار الكامل .

#- الجذور التاريخية والتشكل البنيوي للنخب :-

ولفهم سلوك النخب والتي هي بطبيعة الحال والظرف الزماني تعتبر معاصرة .. يقتضي الفهم العودة الي فترة الحكم الثنائي الذي وضع اللبنات الاول للدولة الحديثة علي اسس غير متكافئة … فقد ركزت الادارة الاستعمارية جهودها التنموية والتعليمية في شريط الوسط ووادي النيل مما ادي الي بروز نخب وسطية مهيمنة تنتمي ثقافيا وعرقيا الي المكون العروبي الاسلامي بينما تم عزل الاطراف عبر سياسة المناطق المقفولة … هذا التوزيع غير العادل للقوة الرافعة والموارد والتنمية خلق فجوة هيكلية بين المركز والهامش … حيث تشكلت النخبة في الخرطوم كطبقة بيروقراطية وعسكرية ورثت جهاز الدولة الاستعماري دون ان تعيد هيكلته وتخطيطه المتوازن ليلائم التباين والتنوع الثقافي السوداني الهائل وهذه النخب توزعت تاريخيا بين تيارين رئيسين هما النخب التقليدية الطائفية والقوي الحديثة التي ولدت من رحم التعليم الاستعماري (مؤتمر الخريجين) … وحزبا الامة .. (الانصار) .. والاتحادي .. (الختمية) شكلا العمود الفقري للسياسة السودانية منذ ما قبل الاستقلال وعلي الرغم من جذورهما الشعبية الواسعة الا ان ممارستهما السياسية ظلت محكومة بالولاءات الشخصية والبيوتات التجارية مما اعاق تحويلهما الي احزاب ديموقراطية مؤسسية وفي المقابل برزت النخب الايديولوجية ( اسلاميون .. شيوعيون .. قوميون عرب وكيانات مناطقية ) والتي حاولت تقديم مشاريع تحديثية لكنها اصطدمت بالبنية التقليدية للمجتمع ولجأت في كثير من الاحيان الي الانقلابات العسكرية لفرض رؤاها من فوق بعيدا عن القواعد مما جعل الخطاب والخطط نخبوية … علي رأي القول الشعبي كلام افندية ساكت … والقلم مابزيل بلم !!! .

#- آليات التضليل السياسي وصناعة الوعود المكسورة :- مارست النخب المدنية والعسكرية انماط متعددة من التضليل السياسي الذي كان يهدف في جوهره الي إحتكار السلطة وتغيب المحاسبة الشعبية وبدأ هذا التضليل من لحظة الاستقلال عندما قدمت النخب الشمالية وعودا لممثلي الجنوب بمنح الاقليم وضعا فيدراليا مقابل التصويت للاستقلال حيث نكثت هذه النخب وعدها مما ولد شعورا عميقا بالخيانة وهاك يا حروب امتدت لعقود واستنزفت موارد البلاد البشرية والطبيعية والمادية ولم يقتصر التضليل السياسي علي الوعود الدستورية فحسب امتد الي التلاعب بالهوية الوطنية الجامعة الشاملة بل حاولت وما ذالت تحاول فرض هوية آحادية علي دولة تتسم بتعددية عرقية اثنية واسعة وصورت هذه النخب اي مطالبة بالاعتراف بالتباين العرقي والتنوع الثقافي كتهديد للوحدة الوطنية او مؤامرة خارجية او تمرد علي قانون البلاد والسطة القائمة … هذا التضليل الهوياتي ساهم في شرعنة التهميش السياسي والاقتصادي للاطراف حيث اعتبرت النخبة الحاكمة نفسها الوصي الوحيد علي السودان وبنا سياج حديدي حول مركزية السلطة مما خلق حالة من الاغتراب الوطني لدي المكونات بأطراف السودان علاوة علي ذلك استخدمت النخب العسكرية والتي سيطرت علي الحكم لاكثر من خمسين عاما استخدمت خطابا سلطويا مركزيا فجا عمق الانقسام .. نميري مثلا .. وخطابا دينيا غير صادقا الانقاذ مثلا .. وكلها لتبرير القمع والفساد والقبضة المركزية مع تبني نخب هذه الانظمة امبراطوريات إقتصادية ومالية تنهب الموارد عبر الشركات الامنية والعسكرية والتي لاتخضع لاي رقابة مالية وتشريعية البتة وهذا النمط من التضليل ادي الي تأكل الثقة بين الدولة والمجتمع وحول السياسة الي ساحة صراعات صفرية بدلا من ان تكون أداة لإدارة مصالح المجتمعات .

#- الانقلابات العسكرية وتطورها كاداة لتغيب الارادة الشعبية :- تاريخ السودان ارتبط بسلسلة من الانقلابات والتي كانت دائما تبرر بانها استجابة لمطالب الشعب او تصحيحا لمسارات الثورات ومع ذلك ظلت الانقلابات وما تزال الاداة الاكثر والابرز للنخبة العسكرية وبالتحالف مع النخب المدنية والايديولوجية ظلت اداة قطع الطريق امام التحول الديموقراطي وإرادة الشعوب .

* انقلاب عبود ١٩٥٨م كان محاولة من النخب التقليدية لتجاوز الازمات الحزبية ولكنه انتهي بقمع الحريات وتصعيد الحرب في الجنوب .

* انقلاب نميري ١٩٦٩م تحالف القوميون واليساريون لفرض مشروع تحديثي فوقي لينتهي بدكتاتورية فردية قادت البلاد للافلاس الاقتصادي والحرب ايضا .

* انقلاب الانقاذ ١٩٨٩م كان الذروة في التضليل واستخدام الدين للتمكين والفساد الفوق العادة وتعميق الانقسام المجتمعي والتسلط والعنصرية والقتل والحروب .

* انقلاب ٢٥ اكتوبر ٢٠٢١م وهذا ايضا كان بسبب ضعف النخب المدنية الشريك للعسكر وتغليبها المكاسب الشخصية والحزبية والتسابق علي المحاصصات والاستحواذ والتغافل عن طرح برامج انتقالي يؤسس لما بعد سقوط نظام الانقاذ وفي نفس الوقت الانقلاب هو تحايل من النخب العسكرية والجهة المستترة خلفها للانقضاض علي ثورة ديسمبر ووأد شعارها المميز (حرية .. سلام وعدالة) واستعادة الامتيازات الاقتصادية والسياسية .. حيث ظلت هذه النخب المتحالفة .. العسكرية والمدنية .. بمرور الوقت ظلت وتحولت من مؤسسات نظامية وحزبية مسخرة جهدها وكسبها لصالح الشعوب تحولت الي فاعل اقتصادي وسياسي مهيمن (خاصة العسكرية) يمتلك مصلحة مباشرة في استمرار حالة اللا دولة او الدولة الضعيفة والتي تسمح بنمو اقتصاديات الظل وفقا لمؤشرات النزاهة الدفاعية … وهنا يصنف السودان ضمن الدول ذات المخاطر العالية جدا جدا في الفساد العسكري حيث لا تخضع ميزانيات الجيش ومليشياته للبرلمان او وزارة المالية وهذه الثروات الهائلة مكنت النخبة العسكرية ومن خلفها القوي المستترة مكنتهما من (مقاومة) الضغوط الشعبية المشرئبة للحكم المدني الديمقراطي والحريات والحقوق المتساوية … حيث يمثل الحكم المدني الديموقراطي والحرية والشفافية المالية تهديدا وجوديا لمصالح العسكر الاقتصادية والسياسية .

#- النخب وإدمان الفشل :- هي رؤية نقدية للدكتور منصور خالد رحمه الله … حيث يري د.منصور ان النخب السودانية تعاني من عجز بنيوي في الخيال السياسي حيث تكرر نفس الاخطاء وتتوقع نتائج مختلفة والفشل هنا ليس عارضا بل هو إدمان ناتج عن عدم القدرة علي رؤية السودان ككل متكامل بل هو تفضيل المصالح الحزبية والجهوية الضيقة علي المشروع الوطني الجامع .. وانتقاد د. منصور للنخب نابع كونها لم تفلح في تحويل جهاز الدولة من جهاز للجباية والضرائب والريع وقمع التمرد الحقوقي الي مؤسسة لخدمة المواطن وتحقيق التنمية والرفاه … والنخب في صراعها علي السلطة لم تتردد في استخدام العنف والمليشيات مما ادي في النهاية الي عسكرة السياسة وتسيس العسكر . وابهي تجليات إدمان الفشل كانت بوضوح في قدرة النخب علي صياغة مواثيق واتفاقيات سلام ( اتفاقية اديس ابابا ودستور ١٩٩٨م واتفاقية نيفاشا ودستور ٢٠٠٥م والوثيقة الدستورية ) كل هذه تتضمن مبادئ ديمقراطية متقدمة لكنها تفشل تماما في الالتزام بها عند التنفيذ مما جعل هذه المواثيق مجرد ادوات تضليلية لكسب الوقت والاستحواذ السلطوي .

#- الثورات وصعود النخب القاعدية :- اكتوبر وابريل وديسمبر ثورات شعبية قاعدية اقتلعت انظمة عسكرية قابضة وشكلت زلزلا هز اركان النخب التقليدية والايديولوجية والعسكرية وتحالفاتها كإشراقة تميزت بقدرتها علي تجاوز الخطاب النخبوي المعقد والتركيز علي مطالب الثورات والتي تعبر عن رؤية جزرية لاعادة بناء الدولة من اسفل الي اعلي بعيدا عن صفقات الغرف المغلقة والتي تُبدع فيها بعض النخب الحزبية وشخصيات المكاسب الخاصة ناس الرئيس عاش القائد وهؤلاء هم الذين عملوا علي اجهاض الثورات والالتفاف حولها وإشتغلوا بالتفاوض العسكري والمدني حول المحاصصات وتقاسم السلطة الانتقالية والتي يفترض فيها الاستجابة لضرورات الثورات والتاسيس لا المحاصصات والاستزوار والاجندات الخفية .

#- الدور المنشود :- هناك مسئولية تاريخية لخروج السودان من ازمته المتراكمة والراهنة وزمن الانكسار المر .. هذه المسئولية تتطلب من النخب السياسية والفكرية الانتقال من دور المتصارع علي السلطة الي دورالمؤسس للدولة هذا الدور المنشود ليس ترفا فكريا بل هو ضرورة وجودية تتلخص في عدة محاور جوهرية كثيرا ما يتكرر ذكرها لاهميتها وضرورتها كهوادي طريق وموجهات نذكر منها المحاور الاتية :

١- صياغة مشروع وطني عابر للانقسامات قائم علي مبدأ الحرية والمواطنة والحقوق المتساوية .

٢- التزام الصدق والشفافية … كسر حلقة التضليل السياسي والالتفاف .

٣- الاصلاح .. التاسيس الجزري للمؤسسات الحزبية والامنية والمدنية .

٤- ابعاد المؤسسة العسكرية تماما من النشاط السياسي والاقتصادي .

٥- العدالة والتاسيس القضائي المستقل واحقاق الحقوق وعدم العلو علي المحاسبة .

#- حرب ١٥ ابريل ٢٠٢٣م :- هي الثمن الباهظ لفشل النخب وهي ليست صدفة بل هي النتيجة الحتمية لسنوات بل عقود من التلاعب بالعملية السياسية وعسكرة الفضاء العام ورفض النخب العسكرية والمدنية تقديم تنازلات ضرورية لصالح التاسيس البنيوي والتحول المدني الديمقراطي الحر … وللاسف حتي هذه اللحظة ما زالت بعض النخب السياسية تمارس التضليل وسط وبين الجثث والركام عبر الاصطفاف خلف المؤسسة العسكرية بحثا عن السلطة المنزوعة .. للاسف كان يجب عليها العمل الجاد مصحوبا بالمسئولية الاخلاقية العمل علي وقف الحرب ووقف نزيف الدم وحماية الشعوب السودانية والالتفات لمعاناة النازحين واللاجئين .

النخب السياسية اليوم تقف امام محكمة التاريخ فإما ان تستمر في إدمان الفشل والتضليل السياسي الذي يقود حتما الي تفتيت ما تبقي من السودان او ان تنهض بدورها الاخلاقي المنشود في التاسيس لجمهورية سودانية جديدة تقوم علي الانفتاح وصناعة وابتكار رؤي وافكار مفتاحية للمستقبل .

وللكعبة رب يحميها

اوقفوا الحرب وارجعوا للثكنات .. لا للحرب .

اوقفوا الحرب وارجعوا للثكنات .. لا للحرب .

اقفوا الحرب وارجعوا للثكنات .. لا للحرب .

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *