الجميل الفاضل

​ليس ثمة كسوف أعظم من هذا الذي إعتري روح الإنسانية أمس، حين إرتقي ترامب بالعالم الي ذروة الهذيان، وبالكذب الي مرتبة الطرب.

وكأنه أراد أن يقول للدنيا: لقد آن لابستين كذلك أن يمدد رجليه. للحقيقة فالعالم لم يعد يعاني مجرد أزمةً سياسيةً طارئة أو عارضة.

في وقت باتت فيه المشانق تُنصبُ للحقيقة علي قارعة كل طريق، يمتد ذلك من مراوغات “نتنياهو” خلف الأسوار، وصولاً إلى سرديات “الحرس الثوري” الغارقة في ميتافيزيقيا التضليل.

فنحن الآن أمام “غولٍ” كوني يقتاتُ على الوعي كقطعِ حلوى تذوبُ في أفواه المغيبين، محولاً العالم إلى ردهةٍ كبرى لتبادلِ السرديات الزائفة والولاءات المشتراة.

حيث ​لم يعد الكذبُ قناعاً يسترُ عورةً، بل صار “سمفونيةً” تُطربُ الجماهير التواقة لانتصاراتِ وهمية.

إن هؤلاء الساسة يجسدون بممارساتهم صرخة “لينين” القديمة: “الساسةُ بارعون في الخيانة، لأنهم قادرون علي تبريرها”.

وكأننا نعيش أيضا ما حذر منه الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط حين قال: “الكذب هو الهدم المتعمد لكرامة المرء كإنسان”؛ اذ هؤلاء الساسة لا يخدعوننا فحسب، بل يهدمون ما تبقى من كرامتنا ككائنات زج بها في ​سجونُ “التيرابايت”، التي هي في النهاية معراج نحو العدم.

​هذا الطوفانُ من التلفيق وجد مستقره في “محيطٍ رقمي” مرعب؛ حيث يبتلعُ “يوتيوب” وحده 500 ساعة من الزيف كل دقيقة، وتنفثُ منصة “X” نصف مليار تغريدة تائهة يومياً.

وفي غابة البيانات المولدة ينبت حاليا 402 مليون “تيرابايت” في اليوم الواحد.

فمع كل شروق شمس، تسُحق “الحقيقةُ” تحت سنابك “ديكتاتورية التفاعل”.

​لقد أضحت العقولُ أسيرةً داخل “فقاعاتٍ رقمية” محكمة الرتاج، حتى صار واقع الكذبُ أقرب لقول واسيني الأعرج: ” ان الكذب في حياتنا لم يعد استثناء، لكنه من فرط التكرار صار يشبه الحقيقة”.

هنا أستحضر قول نيتشه الساخر: “لستُ منزعجاً لأنك كذبتَ عليّ، لكنني منزعجٌ لأنني لن أستطيع تصديقك بعد الآن”.

إنه ​انتحارُ جماعي للوعي: الكلُّ يريدُ أن يُخدع.

بيد أن ​المأساةُ الكبرى لا تكمن في مهارة الممثل على الخشبة، بل في “شهوة التصديق” لدى الجمهور.

إنَّ أكثر الناس اليوم لا يسعون لفهم الحقيقة كما هي، لكنهم يستميتون لإثبات أنَّ “أوهامهم” هي الحقيقة.

وكما قال العارف بالله الجنيد البغدادي: “الصادق يتقلب في اليوم أربعين مرة، والمنافق يثبت على حالة واحدة أربعين سنة”؛ لأن الصادق في قلق دائم مع الحقيقة، أما المنافق فقد استقر علي طمأنينة الزيف المريح.

اننا نعيش ​في عالم أصبح الجميعُ فيه عطشى لارتشاف أي رواية تداعبُ جراحهم، عالمُ اضحي هو نفسه مجالا حيويا ومرتعاً لتبرير كل نقيصة، مصداقا لقول مكيافيلي: “الناس على قدر كبير من السذاجة، ومن السهل جداً على الخادع أن يجد دائماً شخصاً يخدعه”.

لكنك لو شئت فإن هذا​ بروتوكولك للنجاة، يوفر أمصالا ضد هذه الجائحة الأخلاقية العارمة.

إذ أن الكذبَ بين الناس لم يعد سحابة صيف عابرة، بل صار أشبه ب”جائحةً وبائية” تجتاحُ الرئاتِ المعنوية للشعوب، بدرجة تفوق حتي ما فعل وباء “الكورونا” بالأجساد.

ولذا فقد بتنا اليوم في أمسِّ الحاجة إلى “أمصالٍ أخلاقية” تقي العقل من وباء التلقين الرقمي المستشري:

اولها، ​مصلُ الشكِّ المقدس: كما أراده ديكارت، فالحقيقةُ لا تُمنحُ مجاناً معبأة في “فيديو” مفخخ؛ بل هي ثمرةُ مكابدةٍ عقلية ترفض التفاعل الفوري مع كل ما يوافق الهوى.

ثم ​مصلُ العزلةِ الواعية: للخروجُ من “همس القطيع” المستمر، لاستعادة صوت الضمير الفردي بعيداً عن ضجيج المنصات.

فضلا، عند ​لقاحُ التطهير الصوفي، وفق قول الإمام الغزالي: “الحقيقة لا تُنال إلا بتصفية القلب من كدورات الدنيا”. وبالتالي فإنه بقدر ما تخلصُ من غرضك الشخصي ومصالحك الضيقة، يرتفعُ حجابُ الكذب عنك.

علي اية حال، فإن العالمُ قد استحال مسرحاً للتلفيق، ولذا فإنَّ الصدق اليوم هو “بطولةٌ تراجيدية” وفعلٌ ثوريٌّ بامتياز.

يقول الإمام الأكبر محيي الدين بن عربي: “الصدقُ سيفُ الله في أرضه، ما وُضع على شيءٍ إلا قطعه”.

المهم فإن ​اللقاح الحقيقي ضد جائحة الزيف ليس في المختبرات، بل في تلك اللحظة التي يقرر فيها المرءُ أن يكون “مستقيماً” وإن كلفه ذلك أن يعيش في غربة. وكما صدح جلال الدين الرومي: “إذا بدا كل شيء حولك مظلمًا، انظر مرة أخرى.. فقد تكون أنت النور”.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *