على تخـوم التغييـر 

​بقلم: آدم الحاج أديب

مركز شركاء التغيير والمستقبل للدراسات الاستراتيجية

​تقف الدولة السودانية اليوم عند مفترق طرق حاسم، حيث لم تعد الأسئلة ترفاً سياسياً بل مفاتيح لفهم مصير الوجود الوطني. في قلب هذه العاصفة، يبرز تساؤل جوهري: هل يقود البرهان عملية تأسيس حقيقية للدولة، أم يسير على خطى البشير نحو إعادة إنتاج ذات الأزمة التي أسقطت نظامه؟

​أولاً: صراع الهوية والتمكين

​التحركات الحالية داخل المؤسسة العسكرية ليست مجرد إجراءات إدارية، بل هي صراع على “هوية الجيش”. نحن أمام مسارين متناقضين: المسار القومي الذي يسعى لتقديم جيش مهني يطمئن المجتمع الدولي، وإرث التمكين المتمثل في بنية عميقة تحمل أوزار عقود من النفوذ الأيديولوجي. هذا التناقض يجعل أي تفكيك جزئي مغامرة محفوفة بالمخاطر قد تنتهي بابتلاع المصلح قبل إصلاح المؤسسة.

​ثانياً: متلازمة التاريخ وثالوث الفشل

​يواجه البرهان اليوم ذات الثالوث الذي أسقط نظام البشير: حرب استنزاف تأكل مقدرات الدولة، تآكل الحاضنة السياسية، وضغوط دولية خانقة تربط الدعم بالعودة للمسار المدني. الخطر الحقيقي يكمن في أن الفشل في إدارة هذه التوازنات لن يسقط النظام وحده هذه المرة، بل قد يؤدي لتفكيك ما تبقى من “جسد الدولة”.

​ثالثاً: لغم تعدد الولاءات

​يظل تعدد الجيوش والولاءات هو التحدي الوجودي الأكبر. نعيش واقعاً مريراً: جيش واحد في الشكل، لكنه متعدد في القرار والولاء، مبني على “تحالف الضرورة” لا العقيدة الوطنية الموحدة. هذا الواقع يضعنا أمام ثلاث مآلات:

​مِبضع الجراح: دمج كافة التشكيلات في عقيدة وطنية، وهو خيار يتطلب إرادة سياسية فولاذية.

​تدوير الأزمة: منح الجيوش الموازية صبغة قانونية هشة، مما يؤجل الانفجار ولا يمنعه.

​الانشطار الكبير: صدام مراكز القوة داخل المؤسسة العسكرية، مما يعني ضياع السيادة الوطنية بالكامل.

​الختام: قرار خلف الهاوية

​يمارس البرهان “فن المناورة” بين الداخل والخارج، لكن المناورة بلا قرار حاسم تتحول بمرور الوقت إلى فقدان للسيطرة. السودان اليوم لا يملك ترف الإصلاح الهادئ، بل يحتاج جراحة قيصرية تنهي تعدد السلاح قبل أن ينهي هذا التعدد ما تبقى من الدولة. إن خيار “إعادة إنتاج السقوط” يطرق الأبواب بقوة، وما لم تُحسم هوية السلاح، سيظل السودان واقفاً “على تخوم التغيير” دون أن يعبره نحو الأمان.

​ترقبوا غداً الأحد:

«من يملك قرار الحرب في السودان؟ تفكيك مراكز القوة الخفية داخل أروقة السلطة».

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *