بقلم: نفيسة حجر

​استدراك واعتذار واجب:

في مستهل هذا الجزء، وبدافع من الأمانة التاريخية التي هي عماد مصداقيتنا، وجب التصحيح والاعتذار عن خطأ ورد في الجزء السابق حيث ذكرنا أن الناظر جمعة سهل ينتمي لقبيلة الحوازمة، والصحيح والثابت تاريخياً أنه ناظر قبيلة “المجانين”. إن هذا الدور البطولي لناظر “المجانين” بجانب الناظر عبد الرحمن دبكة (ناظر بني هلبا)، يؤكد أن صناعة استقلال السودان كانت ملحمة اشتركت فيها هذه المكونات بوعي وطني باكر، وهو ما سنبني عليه في هذا الجزء لتفكيك خطاب الإقصاء المعاصر.

​1. مخاطر “التسييس” للهوية والانتماء:

إن الخطورة في تصريحات بعض المسؤولين لا تكمن فقط في إنكار الحقوق، بل في محاولة “تسييس” الأصول العرقية واستخدامها كأداة للفرز السياسي.

إن مكونات “أولاد جُنيد” (عطاوة، حيمادية، وراشدية) يمثلون تمازجاً سودانياً فريداً فهم بقدر اعتزازهم بجذورهم، انصهروا في التربة السودانية عبر القرون، وصاروا جزءاً من “الهوية المركبة” التي لا تقبل التصنيف الاختزالي الذي يُراد به شق الصف الوطني وتجريد المواطن من حقوقه الدستورية بناءً على خلفيته الاجتماعية.

​2. المسؤولية الجنائية لخطاب “نزع المواطنة”:

كمشتغلين بالحقوق، يجب أن نوضح أن التشكيك في مواطنة مكون أصيل ليس “وجهة نظر”، بل هو فعل قد يقع تحت طائلة القانون الجنائي الدولي والوطني. إن تجريد المجموعات من هويتها الوطنية رقمياً وإعلامياً هو بمثابة “إعدام مدني” يسبق الانتهاكات المادية، مما يضع المروجين له أمام مسؤولية تاريخية وقانونية لا تسقط بالتقادم.

فالتحريض ضد مجموعات بعينها ووصفها “بالوافدة” يمهد الطريق لانتهاكات جسيمة، لذا فإن الصمت على هذه الخطابات هو تفريط في الأمانة القانونية التي تفرض حماية حقوق “الفرد” و”المجموعة” في التمتع بكامل حقوق المواطنة دون ترهيب.

​3. من “العرف الاجتماعي” إلى “دولة المؤسسات”:

لقد قدم “أولاد جُنيد” عبر ميثاق “أمت ادعم” نموذجاً قديماً للتكافل وحماية النسيج الاجتماعي. واليوم، نحن بحاجة لتطوير هذه المفاهيم لتنسجم مع “دولة المؤسسات” و”سيادة القانون”. إن الاعتراف بالحواكير التاريخية يجب أن يكون مدخلاً لتعزيز سيادة الدولة، لا سبباً في إقصاء الآخر. نحن بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد يعترف بالخصوصيات المحلية ويصهرها في بوتقة قانونية تحمي حق الجميع في الأرض والهوية والتمثيل العادل.

​4. الردع بالوعي القانوني

إن حجر الزاوية في حماية الهوية الوطنية يرتكز بالأساس على الوعي بالحقوق التأسيسية والمكتسبة.

لذا، يجب على المثقفين والقانونيين من أبناء جُنيد، ومن كل المكونات السودانية، أن يتصدوا لمحاولات “تغبيش الوعي” الرقمي بالحقائق الموثقة. كما يجب تفعيل الأدوات القانونية لملاحقة كل من يسعى للعبث بالوثائق الدستورية التي أقرت المواطنة التأسيسية لكل من ساهم في بناء هذا الوطن منذ ما قبل عام 1956.

​وآخر قولي:

إن السودان الذي يتسع للجميع هو السودان الذي يحترم تاريخ مكونات “أولاد جُنيد” (من عطاوة وحيمادية وراشدية)، ويقدر في ذات الوقت الأدوار الوطنية العظيمة لشركائهم في الأرض والتاريخ من قبائل المجانين والحوازمة والمسيرية والرزيقات والهدندوة والبني عامر وكافة المكونات السودانية الأخرى بلا استثناء.

إن محاولة بتر أي غصن من شجرة الوطن ستؤدي بالضرورة إلى جفاف الجذور وموت الشجرة بأكملها.

إن معركتنا اليوم ليست معركة “مكون ضد مكون”، بل هي معركة “القانون ضد الفوضى” ومعركة “الحقيقة ضد التزييف”.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *