بقلم:أدم الحاج أديب لم يبدأ تفكك السودان يوم اشتعلت الحروب، بل يوم انفصل الضمير الجمعي عن قيم العدالة والمواطنة. فالأزمة التي نعيشها اليوم ليست مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل هي انعكاس عميق لخلل في الوعي، ظل يتراكم بصمت حتى انفجر في وجه الجميع. من “الكنابي” في الجزيرة، حيث يعيش أناس استقروا منذ أكثر من مئة عام وما زالوا يُعاملون كأنهم غرباء، إلى ما حدث في دلقو من رفضٍ لاستضافة نازحين هربوا من جحيم الحرب في دارفور وكردفان، تتكشف صورة واحدة: أزمة مجتمع لم يحسم بعد معنى أن تكون “سودانيًا”. وقد عبّر بعض المحتجين بوضوح صادم حين قالوا: “هؤلاء لا يشبهوننا”. هذه العبارة ليست مجرد انفعال لحظة، بل هي خلاصة وعيٍ مأزوم، يقيس الانتماء بالشكل واللون والأصل، لا بالمواطنة والحق. إنها الجملة التي تكشف أن الأزمة أعمق من نزاع على الموارد أو ضغط سكاني؛ إنها أزمة تعريف: من هو “نحن” ومن هو “هم”. المشكلة ليست في النزوح، بل في النظرة إلى النازح. ليست في الاختلاف، بل في طريقة إدارته. حين يُصنَّف الإنسان وفق لونه أو أصله أو قبيلته، يصبح الوطن مجرد مساحة جغرافية بلا روح، وتتحول المواطنة إلى امتياز يُمنح لفئة دون أخرى. هذا الانقسام يعكس مأزقًا أعمق في الهوية السودانية. فبين خطاب يرفع راية العروبة، وواقع متعدد الأعراق والثقافات، نشأ وعي مشوش، لم يستطع أن يبني مشروعًا وطنيًا جامعًا. وبدلًا من ذلك، تسللت مفاهيم خطيرة إلى الوجدان الشعبي، تقسم الناس إلى “أحرار” و“عبيد”، في إعادة إنتاج مأساوية لتراتبية بائدة كان يفترض أن يدفنها التاريخ. والمحصلة هي ما نراه اليوم: وطن واحد، لكن بعقول متفرقة، ومشاعر متناقضة، وضمير جمعي عاجز عن احتواء أزماته. فحين يُرفض النازح، ويُهمَّش المقيم، ويُقصى المختلف، فإن الخلل لا يكون في السياسة وحدها، بل في البنية الأخلاقية للمجتمع نفسه. إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط استمرار الحرب، بل استمرار هذا الوعي المنقسم، الذي يعيد إنتاج الأزمات جيلاً بعد جيل. فالدول لا تنهار فقط بالسلاح، بل حين تفقد قدرتها على تعريف نفسها تعريفًا عادلًا يشمل جميع أبنائها. السودان اليوم أمام سؤال مصيري: هل نحن شعب واحد، أم مجرد جماعات تتقاسم الجغرافيا؟ الإجابة لن تُكتب في بيانات السياسة، بل في سلوك الناس، وفي قدرتهم على الاعتراف ببعضهم البعض كمواطنين متساوين، لا كأغراب في وطن واحد. شارك تصفّح المقالات سلام بعد الرماد خطاب البرهان٦ابريل محاولة انقلاب داخلي