عبدالعزير بخات المحامي 

والمدافع عن حقوق الإنسان 

 

 

 

الدم واحد والرب واحد والإنسان واحد في جوهر كرامته منذ أن عرفت البشرية الرسالات السماوية وهي تتلقى وصية ثابتة لا تتبدل ولا تخضع للهوى وهي أن الحياة مقدسة وأن الاعتداء عليها جريمة كبرى لا يبررها اختلاف دين ولا عرق ولا سلطة وقد جاءت الشرائع لتقيم ميزان العدل لا لتفتح أبواب الفناء ولتحفظ النفس لا لتجعلها أداة صراع ومن هنا فإن أي قراءة منصفة للنصوص الدينية أو القانونية تقود إلى نتيجة واحدة أن القتل جريمة أصلية وأن الحرب لا تكون إلا استثناء ضيقا مقيدا بشروط صارمة وأن الأصل هو السلام والعيش المشترك

 

تؤكد النصوص الدينية في جوهرها على حرمة النفس الإنسانية حيث ورد في الشريعة الإسلامية نص قاطع في سورة المائدة آية 32 من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا وهو نص يؤسس لمبدأ قانوني عام مفاده أن الاعتداء على فرد واحد يعد اعتداء على المجتمع بأكمله كما ورد في سورة البقرة آية 190 ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وهو نص يحظر أي تجاوز في حال النزاع ويقيد استخدام القوة بحدود الدفاع فقط كما جاء في سورة البقرة آية 193 فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين كما جاء في سورة الأنفال آية 61 وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وهو إلزام صريح بقبول السلام متى ما توفر

 

كما ثبت في السنة النبوية نص لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم وهو تعبير بالغ في تجريم القتل واعتباره من أعظم الجرائم كما ورد في خطبة الوداع إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام وهو إعلان عام لحرمة الدماء دون تمييز

 

وفي التراث اليهودي ورد في الوصايا العشر لا تقتل وهو نص تشريعي مباشر لا يقبل التأويل كما جاء في التلمود من قتل نفسا واحدة فكأنما قتل العالم كله وهو تأكيد على ذات القاعدة التي تبناها الإسلام وفي التوراة حين تقترب من مدينة لتحاربها فادعها إلى الصلح وهو تقنين واضح بأن السلم هو الأصل وأن الحرب ليست إلا خيارا أخيرا

 

وفي المسيحية جاء في الإنجيل طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون وهو نص يمنح صفة الاصطفاء الأخلاقي لمن يسعون إلى السلام كما ورد من أخذ بالسيف بالسيف يهلك وهو تقرير لقاعدة العدالة الطبيعية بأن العنف يولد عنفا ويؤدي إلى الفناء كما جاء لا تقاوموا الشر بالشر وهو توجيه أخلاقي يحد من دائرة العنف ويمنع تصاعده

 

وعلى المستوى القانوني الوضعي فإن القوانين السودانية تجرم القتل وتعتبره من أخطر الجرائم حيث نص القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 في المادة 130 على أن القتل العمد جريمة يعاقب عليها بالإعدام أو القصاص أو السجن المؤبد وفقا للضوابط الشرعية والقانونية كما نصت المادة 131 على تجريم شبه العمد مع فرض عقوبات رادعة كما أكد القانون على حماية الحق في الحياة باعتباره حقا أصيلا لا يجوز المساس به

 

كما ينسجم ذلك مع المبادئ الدستورية العامة التي تؤكد أن الحق في الحياة والكرامة الإنسانية حق مكفول لكل مواطن دون تمييز وأن الدولة ملزمة بحمايته كما تتوافق هذه المبادئ مع القانون الدولي لحقوق الإنسان الذي ينص في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفا

 

إن اجتماع النصوص الدينية مع النصوص القانونية يفضي إلى قاعدة جامعة مفادها أن القتل جريمة مطلقة وأن الحرب لا تكتسب أي مشروعية إلا في أضيق الحدود الدفاعية وبشروط صارمة أهمها الضرورة والتناسب وحماية المدنيين ووقف القتال فور زوال سببه وأن أي خروج عن هذه الضوابط يعد جريمة يعاقب عليها شرعا وقانونا

 

وعليه فإن استمرار الحروب لا يستند إلى سند ديني صحيح ولا إلى شرعية قانونية معتبرة بل يقوم على إساءة استخدام النصوص وتأويلها لخدمة أغراض سياسية أو سلطوية أو هوياتية وهو ما يتعارض مع مقاصد الشريعة والقانون معا

 

إن ترسيخ قيم المواطنة يقتضي الاعتراف المتبادل بين جميع مكونات المجتمع على أساس المساواة في الحقوق والواجبات دون تمييز بسبب الدين أو العرق أو الانتماء الجغرافي ويقتضي كذلك تقديس الروح البشرية بوصفها قيمة عليا لا يجوز التفريط فيها تحت أي مبرر كما يقتضي بناء دولة القانون التي تحاسب الفرد على فعله لا على هويته وتمنع العقاب الجماعي وتكفل العدالة للجميع

 

وبناء على ما تقدم فإن الدعوة إلى وقف الحرب ليست موقفا سياسيا فحسب بل هي التزام ديني وقانوني وأخلاقي حيث أن النصوص السماوية جميعها تتفق على حرمة الدم وأن القوانين الوطنية والدولية تجرم القتل وتفرض العقوبات على مرتكبيه وعليه فإن أي استمرار في الحرب يمثل انتهاكا مزدوجا لشرع الله ولحكم القانون

 

إن الطريق إلى المستقبل يبدأ بإعلاء قيمة الحياة وتقديم السلام كخيار أول واعتماد الحوار بديلا عن السلاح وبناء عقد اجتماعي يقوم على العدالة والمساواة واحترام التنوع وبذلك فقط يمكن للمجتمع أن يخرج من دائرة العنف إلى فضاء الاستقرار

 

وعليه فإن الالتزام الأول لكل من يتحدث باسم الدين أو القانون أو الدولة هو صون الدماء ووقف الحرب وإرساء السلام لأن الله مع الحياة ولأن القانون مع العدالة ولأن الإنسان لا يملك بديلا عن العيش المشترك في وطن يسع الجميع

 

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

١٥ /ابريل /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *